النمط الثالث في النفس : « ومن قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تكميل جوهرها عقلا بالفعل ، فأولاها قوّة استعدادية لها نحو المعقولات ، وقد يسمّيها قوم عقلا هيولانيّا وهي « المشكاة » ، ويتلوها قوّة أخرى تحصل لها عند حصول المعقولات الأول لها ، فتتهيّأ بها لاكتساب الثواني بالفكر وهي « الشجرة الزيتونة » إن كانت ضعيفة أو بالحدس فهي « زيت » أيضا إن كانت أقوى من ذلك ، فتسمّى عقلا بالملكة وهي « الزجاجة » والشريفة البالغة منها قوّة قدسيّة « يكاد زيتها يضيء » ، ثمّ يحصل لها بعد ذلك قوة وكمال ، أمّا الكمال فأن تحصل لها المعقولات بالعقل مشاهدة متمثّلة في الذهن وهو « نور » ، وأمّا القوة فأن يكون لها أن يحصل المعقول المكتسب المفروغ كالمشاهد متى شاءت من غير افتقار إلى اكتساب ، وهو « المصباح » وهذا الكمال يسمّى عقلا مستفادا ، وهذه القوة الملكية تسمّى عقلا بالفعل ، والذي يخرج من الملكة إلى الفعل التّام ومن الهيولى أيضا إلى الملكة هو العقل الفعّال ، وهو « النار » .
قال الشيخ « 1 » قدّس سرّه : « هذه إشارة إلى قوى النفس النظرية بحسب مراتبها في الاستكمال . وتلك المراتب تنقسم إلى ما يكون باعتبار كونها كاملة بالقوة ، وإلى ما يكون كاملة بالفعل والقوة أيضا مختلفة بحسب الشدة والضعف ، فمبدؤها كما يكون للطفل من قوّة الكتابة ، ووسطها كما يكون للامّي المستعد للتعلّم ، ومنتهاها كما يكون للقادر عليها الذي لا يكتب وله أن يكتب متى شاء ؛
فقوة النفس المناسبة للمرتبة الأولى تسمّى عقلا هيولانيّا تشبيها إيّاها حينئذ بالهيولى الأولى الخالية في نفسها من جميع الصور المستعدّة لقبولها وهي حاصلة لجميع أشخاص النوع في مبادي فطرتهم ؛
وقوّتها المناسبة للمرتبة المتوسّطة تسمّى عقلا بالملكة ، وهي ما يكون عند تحصيل المعقولات الأول التي هي العلوم الأوّليّة بحسب الاستعداد لتحصيل
هامش
( 1 ) . أي نصير الدين الطوسي في شرح الإشارات ج 2 ، ص 354 - 356 ، مع اختلاف يسير في اللفظ .