ارتبط الوجود أوّله بآخره ، فكان ابتداء الدائرة وجود العقل الأوّل الذي ورد انّه أوّل الصوادر ، وانتهى الدور إلى الإنسان ، فكملت الدائرة ، واتّصل الإنسان بالعقل كاتصال آخر الدائرة بأوّلها ، وجميع الخلق من أجناس العالم بين طرفي الدائرة ؛ ولمّا كانت الخطوط الخارجة من المركز إلى المحيط يخرج على السواء كذلك نسبة الحق إلى جميع الموجودات سواسيّة ، وكل الأشياء ناظرة إليه نظر أجزاء المحيط إلى المركز ؛ وأقام سبحانه تلك الصورة الإنسانية بالحركة المستقيمة لقبّة السماوات كالعمد الذي للخيمة ، فهو تعالى
يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا
« 1 » ولكن بواسطة الإنسان ؛ فإذا انتقلت هذه الصورة من النشأة الدنيوية انشقّت السماء ، فهي يومئذ واهية ، وسيّرت الجبال فكانت سرابا ، ومارت الأرض مورا . وإذا انتقلت العمارة إلى الدار الآخرة بانتقال النشأة الإنسانية جزمنا بأنّها العين المقصودة للّه من العالم ، وانّها الخليفة ومحل ظهور الأسماء الإلهيّة مع صغر الحجم وحقر الجثّة . وانّما قال تعالى :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ
« 2 » الإنسان لكونه متولّدا منهما ، فهما له كالأبوين ، فرفع اللّه لذلك قدرهما .
هامش
الذي ورد في الخبر انّه « أوّل ما خلق اللّه العقل » وانتهى الخلق إلى الجنس الإنساني ، فكملت الدائرة واتصل الانسان بالعقل كما يتّصل آخر الدائرة بأوّلها . . . » .
( 1 ) . فاطر : 41 .
( 2 ) . غافر : 57 .