الطرف الثالث : قال بعض العرفاء « 1 » : انّ قرينة الحال تدل على مباشرة خلقه بيديه على جهة التشريف الإلهي بحسب ما يليق بجلاله ، فلذلك سمّاه « بشرا » إذ « اليد » بمعنى القدرة لا شرف فيها ، و « اليد » بمعنى النعمة كذلك ، فانّها عمّت جميع الموجودات فلا بدّ لقوله : « بيديّ » من أمر معقول له خصوصية هي المفهوم من لسان العرب الذي نزل القرآن بلغتهم ، فإذا قال صاحب اللّسان : « فعل هذا بيده » يفهم منه رفع الوسائط ، فكانت نسبة آدم في الجسوم الإنسانية نسبة العقل الأول .
ولمّا كانت الأجسام مركّبة طلبت اليدين لوجود التركيب ، ولم يذكر ذلك في العقل لكونه غير مركّب ، فاتّفقا « 2 » في رفع الوسائط ، وليس بعد ذلك في التكوين مع ذكر اليدين إلّا أمر من أجله يسمّى بشرا وسرت هذه الفضيلة « 3 » والشرف في البنين ، فلم يوجد منهم إلّا عن مباشرة . وبالجملة ، « لمّا جمع له في خلقه بين يديه علمنا انّه قد أعطاه صفة الكمال فخلقه كاملا جامعا ولهذا قبل ظهور الأسماء كلّها ، فهو مجموع العالم من حيث حقائقه ، إذ العالم ليس إلّا مظهر تفاصيل الأسماء ، فهو عالم مستقلّ والعالم تفصيله ، وهو الكتاب الجامع ، وهو للعالم كالروح من الجسد ، فبالمجموع يكون العالم هو الإنسان الكبير » « 4 » - انتهى .
أقول « 5 » : فعلى هذا التنظير « 6 » ، أي كون الإنسان نظير العقل ، وكونه آخر المولّدات
هامش
( 1 ) . وهو محيي الدين في الفتوحات المكيّة ، ج 2 ، ص 70 ، السؤال 44 مع تصرف بالتلخيص .
( 2 ) . فاتّفقا : فاجتمعا ( الفتوحات ) .
( 3 ) . الفضيلة : الحقيقة ( الفتوحات ) .
( 4 ) . الفتوحات ، ج 2 ، ص 67 ، ملخّصا .
( 5 ) . أقول : - م د ر .
( 6 ) . من هنا إلى آخر « الطرف » اقتباس من كلام محيي الدين في الفتوحات ج 1 ، ص 125 :
« فهو نظير العقل الأول وبه ارتبط ، لأنّ الوجود دائرة ، فكان ابتداء الدائرة وجود العقل الأوّل