العرب يجيء بهذه المعاني ، وفرق ما بين المعنيين ، لكنّ الخبر الثاني صريح في هذا التفسير ، حيث قال - عليه السّلام - : أي بقدرتي وقوّتي . وتحقيق ذلك على ما عرفت آنفا في القواعد الكليّة انّ الأسماء الإلهيّة قد تنزّلت حسب تنزّل الحقائق ، ف « اليد » عبارة عمّا يتأتّى به الشيء من فاعله ، فالذات الإلهية مع انّها فاعلة بذاتها لكن تأتّي الفعل منها هي صفة القدرة فيصحّ من هذه الجهة إطلاق « اليد » بعين ما تتصحّح به صفة القدرة ، فاليد في العالم الإلهي هي صفة القدرة ، وفي عالم الأسماء الإلهية هو الاسم « القادر » وفي العالم العقلي هو « النور » المعبّر عنه بنور نبيّنا ووصيّه - صلوات اللّه عليهما وآلهما - وفي العالم الربوبي والمرتبة النفسية هو الإنسان النوري المعبّر عنه بقول الأئمة الطاهرة : « نحن يد اللّه » المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة ؛ وفي العالم الجسماني هي الطبيعة الفاعلة بإرادة اللّه وأمره ؛ وفي العالم الإنساني هو النبيّ والوصيّ . وأمّا التعبير ب « اليدين » فلأنّ صفات اللّه على قسمين : أحدهما صفة الجمال المبسوطة بالرحمة واللطف ، والآخر صفة الجلال المبسوطة بالقهر والغضب ، ومنهما خلق الماء العذب والأجاج وخلطا ومزجا ، ثمّ خلق منهما الإنسان ، ومن ذلك خصّ آدم من بين الموجودات بخلق اليدين . ثمّ انّ المصنّف - رضي اللّه عنه - ذكر وجها آخر لتفسير الآية حيث قال بعد ذكر الخبرين بهذه العبارة .
قال مصنّف هذا الكتاب : سمعت بعض مشايخ الشيعة بنيسابور يذكر في هذه الآية انّ الأئمّة - عليهم السّلام - كانوا يقفون على قوله :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ
ثمّ يبتدءون بقوله عزّ وجلّ :
بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ
قال : وهذا مثل قول القائل : « بسيفي تقاتلني وبرمحي تطاعنني » كأنّه يقول عزّ وجلّ : « بنعمتي قويت على الاستكبار والعصيان » - انتهى .
أقول : على هذا يكون الاستفهام في قوله : « بيديّ » مقدّرا ويكون الهمزة في « استكبرت » ساقطة في الوصل على خلاف القراءة المشهورة كما لا يخفى .