و « البلغم » من الركن المائي الذي عجّنه ، فصار طينا ؛ ثمّ أحدث فيه القوة الجاذبة التي بها يجذب الحيوان الأغذية ؛ ثمّ القوة الماسكة التي تمسك ما يتعدى به [ الحيوان ] « 1 » ؛ ثمّ القوة الهاضمة التي بها يهضم الغذاء ؛ ثمّ القوة الدافعة التي بها يدفع العضلات عن نفسه من عرق وبخار ورياح وبراز وغير ذلك ؛ وأمّا تقسيم الدم [ في ] « 2 » العروق من الكبد فبالقوة الدافعة عند قوم ، والأصحّ انّه بالقوة الجاذبة ؛ ثمّ أحدث اللّه فيه القوّة الغاذية والمنية والحاسيّة والخياليّة والوهميّة والحافظة والذاكرة . وهذه كلّها في الإنسان بما هو حيوان ، غير انّ هذه القوى الأربعة ، أي الخيال والوهم والحفظ والذكر في الإنسان أقوى منها في سائر الحيوان ، وخصّ الإنسان بالقوة المصوّرة والمفكّرة والعاقلة ، وجعل هذه القوى آلات للنفس الناطقة ، لتصل بذلك إلى جميع منافعها المحسوسة والمعقولة ؛ ثمّ أنشأه خلقا آخر وهو الإنسانيّة ، فجعله درّاكا بهذه القوى حيّا عالما قادرا مريدا متكلّما سميعا بصيرا على حد معلوم
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
.
ثمّ انّ اللّه جلّ جلاله أنشأ الجسوم الإنسانية على أربعة أنواع لئلا يتوهّم انّ القدرة الإلهيّة قاصرة عن إيجادها على أنحاء مختلفة ، أو انّ الحقائق لا تعطى أن تكون هذه النشأة إلّا عن سبب واحد بل لها أن تعطى من أنفسها أكثر من ذلك ، ومع ذلك التنوع انطلق هذا الاسم على الكلّ بالحدّ والحقيقة ، ليعلم انّ اللّه بكل شيء عليم وانّه على كلّ شيء قدير . وقد جمع هذه الأنواع الأربعة في آية من القرآن الكريم :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى
« 3 » فخلق آدم ، ثمّ خلق من الذكر الذي هو آدم زوجها حوّاء ، وخلق من الأنثى عيسى ، وخلق من مجموع الذر والأنثى سائر الذرية ، فهذه الآية من « جوامع الكلم » فالنوع الأوّل جسم آدم
هامش
( 1 ) . الحيوان ( الفتوحات ) : - جميع النسخ .
( 2 ) . في ( الفتوحات ) : إلى جميع النسخ .
( 3 ) . الحجرات : 13 .