يزل عالما قادرا ، ثمّ أراد .
شرح : ذكر المصنّف - رحمه اللّه - في أكثر الأخبار السابقة ما تبيّن صفات الذات بأقسامه ، فشرع في ذكر أخبار تذكر « 1 » فيها صفات الأفعال ، ومنها هذا الخبر الذي يدلّ على انّ الإرادة من صفات الفعل . واستدل الإمام - عليه السّلام - على ذلك بأنّ الإرادة لا يكون إلّا لمراد معه . وتقريره : انّ الإرادة بأيّ معنى كان يتوقّف على العلم توقّفا سببيّا لأنّه لما علم تعقلت الإرادة وذلك واضح لا سترة فيه . وإذا كان كذلك يكون متأخّرا عن العلم ، وذلك ينافي الأزلية ، لأنّ الأزليّة تأبى عن التقدّم والتأخّر لأنّهما من لوازم الغيرية والتعدّد المنافي للأزلية . ولمّا ثبت عدم الأزلية فيجب أن يكون مع المراد ، وإلّا يلزم الترجيح بلا مرجّح . وإلى هذا التقرير يشير قوله - عليه السّلام - : « بل لم يزل عالما قادرا ثمّ أراد » وقد استفدنا من ذلك ، فتبصّر . ويمكن أن يستدلّ على حدوث الإرادة وكونها مع المراد بقوله تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 2 » وصورة الدليل : انّ هذه الشرطية لزومية وإلّا لكان يمكن تحقّق الإرادة بدون قول « كن » وبالعكس ، والثاني شنيع كما لا يخفى ، والأوّل تبطله كلمة « انّما » ، وإذا كانت لزومية فلا ينفكّ قول « كن » عن الإرادة كما لا ينفك « فيكون » عن قول « كن » فثبت المدّعى ؛ وسيجيء دلائل أخر على هذا المطلوب في الأخبار الآتية ، وكذا على مغايرته للعلم وسائر الصفات الذاتية ، سيّما في خبر سليمان المروزي « 3 » إن شاء اللّه تعالى .
والمراد بالمعيّة بين المريد والمراد المعية الزمانية من حيث الإرادة ، فالمريد من حيث الإرادة غيره من حيث نفسه بخلاف السمع والبصر والعلم من اللّه تعالى على طريقة أهل الحق فانّه لا مغايرة أصلا . وبالجملة ، فالمريد من حيث ذاته وكذا من حيث كونه مريدا متقدّم على المراد بالذات ، لكنّه معه بالزمان من الحيثية الثانية .
هامش
( 1 ) . تذكر : يذكر س .
( 2 ) . يس : 82 .
( 3 ) . التوحيد ، باب ذكر مجلس الرضا مع سليمان المروزي متكلّم خراسان ، ص 241 .