ذكر السائل تلك الصفة ، والّا فغرض الإمام بيان حقيقة الصفات الذاتية فحسب ، وسيجيء تحقيق حدوث الكلام في موضعه .
الحديث الثّاني [ في بعض صفاته الذاتيّة ]
بإسناده عن حماد بن عيسى ، قال : سألت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - فقلت لم يزل اللّه يعلم ، قال : أنّي يكون يعلم ولا معلوم ! قال : قلت :
فلم يزل يسمع ، قال : أنّي يكون ذلك ولا مسموع ! قال : قلت : فلم يزل يبصر ، قال : أنّي يكون ذلك ولا مبصر ! قال : ثمّ قال : لم يزل سميعا عليما بصيرا - ذات علّامة سميعة بصيرة .
وجه ذلك أن يعلم ويبصر ويسمع لكونه فعلا يدلّ على الوقوع ، وقد علمت انّ الوقوع - أي وقوع العلم وأمثاله - يترتب على الإحداث ، و « لم يزل » انّما يدلّ على أزلية الوقوع ، وذلك يستلزم أزلية المعلوم والمسموع والمبصر ؛ وأيضا قولك « لم يزل » يدلّ على الأزلية ، و « يسمع » ونظائره يدلّ على الوقوع والحدوث فيتناقضان ، وهذا بخلاف « لم يزل عليما بصيرا » فانّه يدلّ على الثبوت وهو لا ينافي الأزليّة . وأمّا قوله - عليه السّلام - بعد ما حكم بانّه « لم يزل عليما » إلى آخر الصفات « ذات علامة » فهو خبر مبتدأ محذوف أي هي ذات كذلك ، ولا تكرار هناك لأنّ إيراد هذه الجملة لردّ ما يمكن أن يفهم من الجملة الأولى أزليّة تلك الصفات بأن تكون قائمة بذواتها أو بذات المبدأ تعالى أو عينه جلّ وعلا ، ولذلك غيّر الأسلوب فالمعنى : انّ قولنا « لم يزل عليما » ليس يعنى انّ العلم منه يوصف بالأزلية فيتعدّد الأزليات وإن كانت بالعرض ، بل يعنى بذلك انّه ذات علامة ليس فيها جهل ، وسميعة بصيرة لا يخفي عليه شيء ، لا انّ هاهنا ذات وصفة هي عين أو غير ، وقد دريت سرّ ذلك ؛ فتذكّر . ومن هذه التفرقة يظهر انّ العالم والعليم وأمثالهما