قوله : « يلطّف » و « يعظّم » منه . ولمّا كان إبليس - لعنه اللّه - شأنه الإلقاء في الحيرة وإبداء الشبهة حسن أن يحمل السؤال على التشكيك وإرادة التبكيت ، فصورة الجواب هاهنا : انّ القدرة يطلق على معنيين كما دريت سابقا : أحدهما ، كون الفاعل إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، والثاني كونه بحيث يصحّ له الصدور واللّاصدور ، فإن أراد السائل بقوله : « أيقدر ربّك » القدرة بالمعنى الأوّل ، قلنا هو قادر على ذلك وصدق الشرطية لا ينافي استحالة المقدّم في نفسه ، وإن أراد المعنى الثاني قلنا انّه غير عاجز عن ذلك ، ولا يوصف بالعجز أصلا لأنّ هذا المعنى من القدرة لا يقابله العجز بخلاف المعنى الأوّل ، فانّه يقابله العجز ، فربما شاء ولم يتمكّن من الفعل ، إذ لعلّ عدم صدوره عنه لنقص فيه ، وعدم قبول للوجود لامتناعه في ذاته ، وذلك لأنّ من الماهيّات ما يقتضي الوجود لذاته ويستحقّه بمحض افتقاره وفقره الذاتي ، ومنها ما يقتضي ويوجبه المادة التي هو فيها ، والبارئ الجواد يعطي كلّا منهما على ما يطلبه ويستحقّه ، والممتنع لا ذات له حتّى يمكن الطلب الذاتي ، ولا مادّة له حتّى يتحقّق الطلب الاستعدادي . وهذا الجواب أيضا يصلح عن السؤال على وجه الامتحان كما في خبر الزنديق وسؤاله عن ذلك أبا عبد اللّه - عليه السّلام - لكنّ الإمام سلك مسلك الواقع لما قلنا .
ولبعض أهل المعرفة « 1 » طريقة غريبة في دخول الكبير على الصغير من غير تصغير للأول وتكبير للثاني ونحن نذكرها مع تلخيص ما قال : اعلم انّ اللّه تعالى ربّ كلّ شيء ومليكه ، فكلّ ما سواه مربوب ومالك له ، ولا معنى لكون العالم ملك اللّه إلّا أن يكون تصرّفه فيه على ما يشاء من غير مانع أصلا فتنوّع الحالات على العالم هو تصرّف الحق فيه على ما يريد . ثمّ انّ اللّه تعالى لا يكرّر تجلّيا على شخص مرّتين ولا يجعله مشتركا بين شخصين للتوسع الإلهي ، وانّما الأمثال والأشباه توهّم الرائي والسامع للتشابه الذي يعسر فصله إلّا على أهل العرفان ، ومن جملة الاتّساع الإلهي انّ اللّه
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ
، وميز كلّ شيء في العالم بأمر هو الذي
هامش
( 1 ) . وهو محيي الدين بن عربي في الفتوحات ، ج 3 ، ص 172 مع شرح وإضافات .