بعد هذه الصحة الفطرية بعروض الشكوك والشبهة المكتسبة من تربية الآباء الصورية والمعنوية ، ولكن أبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه « 1 » . وإذا تداركته العناية الأزليّة قادته قائد التوفيق إلى دار شفاء الأرواح من صحبة الأنبياء والأوصياء والتابعين من العلماء والهداة الأتقياء ، ويتخلص من ذلك المرض المهلك ويهتدي إلى خير المسالك بإلقاء أنوار العلوم الإلهية الحاصلة من الوحي الرّبانيّ أو النور البرهانيّ كما قال عزّ شأنه حكاية عن الخليل :
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
« 2 » .
ثمّ انّ الإمام - عليه السّلام - لمّا فرغ من ظهور القدرة في الحالات البدنية شرع في بيان ظهورها في الكيفيات الانسانية : ف « الرضا » كيفية تتبعها حركة الروح إلى خارج لإيصال الخير أو إظهار السرور ، و « الغضب » كيفية تتبعها حركة الروح إلى خارج طلبا للانتقام ، و « الفرح » كيفية تتبعها حركة الروح إلى الخارج قليلا قليلا طلبا للوصول إلى الملتذّ ، و « الحزن » كيفية تتبعها حركة الروح إلى الداخل قليلا قليلا هربا من « 3 » الموذي ، و « الحبّ » ميلان إلى الملائم ، و « البغض » بخلافه ، و « العزم » توطين النفس على إيقاع أحد الطرفين بعد سابقة التردّد ، و « الإيناء » خلافه ، و « الشهوة » توقان النفس إلى الأمور المستلذّة ويقابلها « النفرة » - وفي هذا الخبر ورد بدلها « الكراهة » وهي تقابل « الإرادة » و « الشهوة » لكن لمّا كان بين كلّ من الشهوة والإرادة وكذا النفرة والكراهة عموم من وجه ، يصح أن يعبّر عن كلّ واحد من الاثنين بالآخرة - و « الرغبة » كأنّها شدة الشهوة ، و « الرهبة » شدّة النفرة ، و « الرجاء » توقع أمر فيه تصور نفع ، وتتبعها حركة الروح إلى الخارج شوقا إلى النافع ، ويقابله « اليأس » . وتلك الحالات كما تكون للنفس بالنسبة إلى الأمور السافلة كذلك لها بالنظر إلى المبادي العالية : فالرّضا هو أن ترضى بالمحبوب والمكروه ، وحقيقة الرضا ما دلّ عليه قوله تعالى :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ
هامش
( 1 ) . مستفاد من حديث : « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه . . . » بحار ، ج 1 ، ص 186 .
( 2 ) . الشعراء : 80 .
( 3 ) . من : إلى د .