السابقة .
والذي نقوله هنا من باب الاعتقاد لا من طريق البحث : انّ الذي وجوده من ذاته من غير مدخلية شيء ممّا سواه هو الذي قلنا انّه واجب الوجود بذاته ، إذ لا معنى لوجوب الوجود إلّا هذا ، لأنّ الأولى الوجود والواجب الوجود إن اشتركا في انّ مقتضى ذاتهما « 1 » لا ينفك أبدا ، فهما كما قلنا وإن اختلفت ماهيتهما بجواز طريان العدم على الأولى دون الأخرى ، فيلزم ترجّح أحد المتساوين على الآخر أو ترجّح المرجوح من دون مرجّح ، وهو بديهيّ الامتناع ؛
وأمّا ظهور القدرة في الكبر بعد الصغر فلأنّ طبيعة الشيء إمّا أن يقتضي الصغر فيمتنع أن يكبر ، أو يقتضي الكبر فيستحيل أن يوجد صغيرا ، أو يقتضي كليهما ولا يصح ذلك من الطبيعة الواحدة ، أو لا يقتضي شيئا منهما فيحتاج إلى أمر خارج يصغره تارة ويكبره أخرى لمصلحة تقتضيها حكمته ، وليس ذلك بطبيعة مثل طبيعة ذلك الشيء لاختلاف الأفاعيل هناك ، فيجب أن يكون صانعا قادرا على كلّ شيء . ثمّ انّ الكبر بعد الصغر كما يكون في الأجسام النامية كذلك يوجد في النفوس بحسب استكمالاتها في العلوم وكبرها بحيث يسع الربّ الجليل الذي لا يسعه أرض ولا سماء ؛
وأمّا ظهور القدرة من القوة بعد الضعف وعكسه فهو إشارة إلى قوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ
« 2 » و « الضعف » عبارة عن حالة الطفولة ، و « القوة » عن الشباب ، والضعف بعدها هي « الشيبة » و « من » في قوله :
« من ضعف » للابتداء ، أي مبتدئا من تلك الحالة . والفرق بينه وبين الصغر انّ الضعف باعتبار الحالة والصغر باعتبار الجثّة ، فلعلّ الصغر لبيان مقولة الكمّ ،
هامش
( 1 ) . ذاتهما : ذاتيهما س م .
( 2 ) . الروم : 54 .