عادلا عمّا حملني عليه قومي من سؤالك الرؤية . ولم يكن هذه التوبة من ذنب لأنّ الأنبياء لا يذنبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا ، ولم يكن الاستيذان قبل السؤال بواجب عليه ، لكنّه كان أدبا يستعمله ويأخذ به نفسه متى أراد أن يسأله ؛ على انّه قد روى قوم انّه استأذن في ذلك ، فأذن له ليعلم قومه بذلك انّ الرؤية لا تجوز على اللّه عزّ وجلّ . وقوله : « أنا أوّل المؤمنين » يقول : وأنا أوّل المؤمنين من القوم الذين كانوا معه وسألوه أن يسأل ربّه أن يريه ينظر إليه بأنّك لا ترى .
شرح : لمّا كان الذنب غير جائز الصدور عن الأنبياء ذكر في وجه التوبة وجوها :
أحدها ، انّ التوبة لغة هو الرجوع ، والمعنى انّي عدت إلى المعرفة السابقة بأنّك لا ترى ؛
وثانيها ، انّها بمعنى العدول أي عدلت عمّا حملني عليه قومي من طلب الرؤية ؛
وثالثها ، انّ الأولى أن يستأذن ربّه في ذلك السؤال ولم يكن واجبا عليه ، بل هو أدب ، فلمّا لم يستأذن تاب عنه ، ثمّ أضرب عن هذا الوجه بذكر رواية في وقوع الاستئذان كما يظهر من الخبر الآتي أيضا .
متن المصنّف : والأخبار التي رويت في هذا المعنى وأخرجها مشايخنا - رضي اللّه عنهم - في مصنّفاتهم ، عندي صحيحة ، وانّما تركت إيرادها في هذا الباب خشية أن يقرأها جاهل بمعانيها فيكذّب بها ، فيكفر باللّه عزّ وجلّ وهو لا يدري ؛ والأخبار التي ذكرها أحمد بن محمّد بن عيسى في نوادره ، والتي أوردها محمّد بن أحمد بن يحيى في جامعه في معنى الرؤية صحيحة لا يردّها إلّا مكذّب أو جاهل به ، وألفاظها ألفاظ القرآن ولكلّ خبر منها معنى ينفي التشبيه والتعطيل ، ويثبت التوحيد ، وقد أمرنا الأئمّة أن لا نكلّم الناس إلّا على قدر عقولهم . ومعنى الرؤية الواقعة في الأخبار العلم ، وذلك لأنّ الدنيا دار شكوك وارتياب وخطرات ، وإذا كان يوم القيامة كشف للعباد من آيات اللّه وأموره في ثوابه وعقابه ما يزول به
شرح توحيد الصدوق — صفحة 369
مساهمون: القاضي سعيد القمي
ص٣٦٩