أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ
« 1 » في حال تدكدكه فسوف تراني . ومعناه انّك لن تراني أبدا لأنّ الجبل لا يكون ساكنا متحرّكا في حال أبدا . وهذا مثل قوله عزّ وجل :
وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
« 2 » ومعناه انّهم لا يدخلون الجنة أبدا ، كما لا يلج الجمل في سمّ الخياط أبدا .
أقول : لمّا استدلّ مثبتوا الرؤية بهذه الحكاية من وجهين ، تصدّى المصنّف - رضي اللّه عنه - لتفسير الآية بحيث يدفع تلك الشبهة :
أمّا الوجه الأوّل من متمسّكهم فهو انّ موسى - عليه السّلام - سأل الرؤية ، ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل ، لأنّه إن علم ذلك الامتناع فالعاقل - سيّما الرّسول العظيم والنبيّ الكليم وأحد اولي العزم - لا يطلب المحال ، وإن جهله فالجاهل بما يجوز على اللّه ويمتنع عليه ، كيف يصلح أن يكون من عظماء الأنبياء عليهم السّلام ؟ ! إذ المقصود الأسنى من الرسالة هو الهداية إلى العقائد الحقّة ؛
وأمّا الوجه الثاني ، فهو انّه تعالى علّق الرؤية على استقرار الجبل وهو أمر ممكن في نفسه ، والمعلّق على الممكن ممكن .
وأجاب المصنّف - رحمه اللّه - عن الوجه الأوّل ، بأنّ موسى انّما سأل الرؤية لأجل قومه حيث اقترحوا عليه ، وألحّوا في السؤال ، وقالوا :
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
« 3 » .
واعترض عليه بأنّه مع مخالفته الظاهر حيث لم يقل : ارهم ينظروا أليك فاسد لأنّهم لمّا قالوا ذلك زجرهم اللّه بالصاعقة .
وأقول : هذا الاعتراض « 4 » مدفوع بأنّه يحتمل أن يكون اعتقادهم بوقوع الرؤية
هامش
( 1 ) . الأعراف : 143 .
( 2 ) . الأعراف : 40 .
( 3 ) . النساء : 153 .
( 4 ) . الاعتراض : اعتراض ب .