[ كلام في أنواع المضاهاة بين العوالم ]
الرابعة ، تفصيل القول في تلك مع زيادات كثيرة الفوائد : اعلم ، انّ القوى البدنية انّما هي أمثلة وأصنام للمبادي الروحانية في العوالم التي فوقها ، لأنّ العوالم متطابقة متضاهية وهذا غير مختص بالقوى ، بل لكلّ حقيقة من الحقائق صورة في عالم العقل وصورة في عالم النفس وصورة في عالم الحسّ وبالجملة هاهنا مضاهاتان :
إحداهما ، المضاهاة التي بين عالمي النفس والبدن « 1 » ؛
والثانية ، المضاهاة التي بين مجموع هذين المسمّى ب « الإنسان الصغير » وبين عالمي الأرواح والأجساد وذلك هو « الإنسان الكبير » .
فمن جملة تلك المضاهاة « 2 » انّ النفس في أوّل نشأتها النفسانية ناقصة ضعيفة تحتاج إلى حركة استكمالية بإضافة كمال إلى كمال وفضيلة بعد فضيلة حتّى تصل إلى كمالها اللائق بها كالبدن ، حيث يتدرّج في النموّ من نقصانه بالأغذية حتى ينتهي إلى حدّ البلوغ ، وكاستكمال مجموعهما وحركتهما إلى اللّه من هذه النشأة الدنيّة إلى الدار الباقية . ولا بدّ لكلّ مستكمل عمّا يتقوّى به ويزيد في كماله . والشيء الناقص لا يصير كاملا إلّا بما يشابهه ويناسبه لا بما يضادّه ويعانده ، وهذا هو الغذاء . وكلّ مغتذ له غذاء خاصّ حسب درجته وحظّه من الكمال ؛ فالمحسوس غذاء الحسّ :
كالمبصر غذاء البصر والمذوق غذاء الذوق والمشموم غذاء الشمّ . والمسموع غذاء السمع وهكذا ، فيغتذي الروحاني بالروحاني والجسماني بالجسماني ومن البيّن انّ الأغذية قبل أن تصير غذاء بالفعل بعيدة عن المشابهة فلا بدّ من استحالات وهي حركة ولكلّ حركة محرّك وناقل ، فهو في البدن يسمّى ب « الغاذية » وفي النفس ب « المفكّرة » وفي العالم ب « الملك » الناقل للأرواح من حالة إلى حالة وإماتتها من
هامش
( 1 ) . والبدن : - ب .
( 2 ) . وهي المضاهاة الثالثة .