تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح توحيد الصدوق — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
أمّا بيان الاستدلال الأوّل ، فهو انّا وجدنا العين الحاسّة تبصر الشيء إذا كان بينها وبينه هواء ينفذ نورها فيه إلى أن يصل المرئي ، وإذا لم يكن توسّط ذلك الهواء لم يتحقّق الإبصار ، وهذا واضح بحكم العادة ، مع انّ البرهان يعاضده ، وذلك لأنّ الإبصار انّما يكون للشيء الخارج عن النفس بقوّة جسمانية بالضرورة ، ولمّا كان الإدراك وصولا لا محالة فالقوى الجسمانية انّما تدرك الشيء إمّا بوصوله إليها أو بوصولها إليه ، والأوّل يحتاج إلى حركة الشيء أو ما في حكمه ، والثاني يفتقر إلى حركة القوّة أو شيء منها ، ولمّا امتنعت حركة القوّة بالضرورة بقي أن يكون بحركة أمر من القوّة ، ولا معنى للحركة هاهنا الّا الأينية ، فوجب من ذلك أن يتوسط الهواء البتّة وهو المطلوب . وعلى مذهب من ينفي الانطباع كما يظهر من هذا الخبر ، نقول « 1 » : فالإبصار انّما يكون من القسم الذي يتحرّك من القوة شيء إلى أن يصل بالمرئي ؛ أمّا على مذهب القائل بخروج الشعاع فظاهر ، وأمّا على القول بتكيّف الهواء بكيفية نوريّة مفاضة من النفس فكذلك ، لأنّ الإفاضة تدريجية ؛ أو نقول لمّا كان الإدراك : إمّا بوصول المدرك بالكسر إلى المدرك بالفتح ، أو بالعكس من ذلك ، والإبصار لا يمكن أن يكون من القسم الأوّل لأنّ القرب المفرط مانع من هذا والإدراك فكيف بالمماسّة والوصول ، فيجب أن يكون من القسم الثاني وبالبعد المعتدل . ولمّا كانت القوّة جسمانيّة فالبعد عنها يكون بتوسّط بعد جسماني سواء كان المرئي جسما أو غير جسم إلى أن يثبت انّه لا يمكن أن يكون غير جسم . فإن قلت : حال الروائي والمرئي في البعد الفضائي بينهما ، مختلفة ، فانّه قد ينقطع الهواء عن الرائي والمرئي في البعد الفضائي بينهما مختلفة ، فإنّه قد ينقطع الهواء عن الرائي دون المرئي ، ومع ذلك تتحقّق الرؤية كما في رؤية اللّه تعالى الأشياء . ولأجل هذا ذهب الأشعري إلى إمكان تحقّق الرؤية بالعكس من ذلك ، فجوّز أن يرى الإنسان ربّه مع انقطاع الهواء عن المرئي .
هامش
( 1 ) . نقول : يقول م د .
شرح توحيد الصدوق — صفحة 280 | القاضي سعيد القمي