في معارج الروح ، ولا لهم حظ من الشهود النوري ، ولا لهم هجرة إلى مدينة العلم الحضوري ، فهؤلاء حكموا بأنّ الرؤية الواردة في الآثار انّما هي الرؤية بالعين ، وذلك انّما يتيسر في ثانية النشأتين ، وتوغّلوا في ذلك وأفرطوا حتى أنكروا الشرائط المعتبرة في تحقّق هذا الإدراك من وجود الحاسة وتوسّط الهواء المشفّ واعتدال البعد وغير ذلك ، وان كانوا لم يقولوا بنفي بعض ذلك فيما نحن فيه من رؤية اللّه سبحانه لأنّهم صرّحوا بأنّ ذلك انّما يكون بهذه العين الباصرة . وكلا الفريقين كليل إحدى العينين ، ولم يكتحلوا أعينهم بجواهر أنوار المصطفين . والقول الفصل في ذلك مؤيّدا بالنقل الصحيح والعقل الصريح انّ الرؤية الواردة في الآيات والأخبار انّما هي على معناها الحقيقي من دون تأويل بالعلم اليقيني ، وانّه ليس بهذه الجليديّة ولا يمكن أن يتعلّق به سبحانه بعينه وشخصه سواء في ذلك العلم والرؤية ، وذلك لأنّ رؤية الشيء المجرّد عن الموادّ وكذا العلم بالأمر المقدّس عن الأشباه والأنداد بعينه الشخصية وذاته الحقيقية لا يمكن الّا أن يكون بكنهه ، أو أن يكون بحدوده وأطرافه ، إذ ليس له أحوال وأعراض حتّى تتعلق الرؤية بها ، دونه ، فلا محالة يكون متعلّقا بكنهه وحقيقته وهو مستحيل الذات خارج عن طوق الجائزات .
فإن قلت : ما نفقه كثيرا ممّا تقول ، ألست قد حكمت أوّلا بأنّ الرؤية على الحقيقة دون المجاز وقد نفيتها ثانيا وصرفتها عن حدّ الجواز .
فأقول : الرؤية المثبتة هي الرؤية بالقلب قال تعالى :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
« 1 » والرؤية المنفيّة هي الرؤية بالعين من حيث يتعلّق به بعينه وشخصه ، وليستا واقعتين في طرفي النقيض حتّى لا يكون بينهما واسطة بل هناك وجوه لا يتناهى ؛ وإن كنت من أهل السابقة الحسنى فانظر ما ذا ترى . وبالجملة ، لم تتعلق الرؤية القلبية ولا العينية ، بل ولا العلم والمعرفة باللّه سبحانه بعينه وخصوصه ، وما سوى ذلك فلا يتفاوت فيه العلم والرؤية سواء كان بالقلب أو الباصرة قال تعالى :
هامش
( 1 ) . النجم : 11 .