أمرا آخر ، والّا لكانت متقدّرة « 1 » ، ولا وزر ، بل هي بكلّها قوة واحدة فهي مبصرة بعين كونها سامعة ، وانّها لامسة بعين كونها ذائقة ، شامة وعاقلة بعين كونها مدركة كذلك ، لكن لم يكن إدراكها للمحسوسات الخارجة عن ذاتها نحوا من الخروج إلّا بظهورها حسب ما تظهر تلك المحسوسات ، وذلك لمناسبة بين المدرك والمدرك في موطن الإدراك جعلت لظهورها مظاهر هي كوّات الحواس وشبائك هي حبائل الاقتناص ، والّا فهي مبصرة بكلّها ، سامعة بكلها ، مدركة بجميع الإدراكات بتمام ذاتها ، وبهذه الجمعية وردت في شأنها من مدينة العلم وبابه : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » وبالجملة ، فهي بذاتها قوة باصرة وسامعة إلى غير ذلك من القوى ، لكن إذا قيست تلك الإدراكات إلى ما هو خارج عنها ومن سنخ عالم الأجسام فلا بدّ أن يكون بتلك المشاعر والآلات المناسبة لهذا العالم ، وإذا اعتبرت إلى ما هو في ذاتها ومن سنخ العالم الأعلى فهي بنفس ذاتها المحيطة بالأشياء الواسعة لمجالي أنوار ربّها ، حيث لم يسعه أرض ولا : سماء الّا قلوب عباده الّتي لذلك خلقها ، ففي عالمها مبصرات ومسموعات بهيّة وملموسات ومذوقات ومشمومات شهيّة ، وبذلك يتصحّح الجنّة العالية ، وإن كانت دونها جنة سافلة لأرباب السعادات البدنية يكون قطوفها دانية .
ثمّ انّ الناس مختلفة المراتب والدرجات في التخلّص عن مضيق الماديّات :
فبعضهم من قبيل البهائم ، وإن كانوا علماء متبحّرين من أرباب العمائم ، فلم يرتقوا من وهذه الحس إلى جبال القدس ، ولم يتخلّصوا من مطمورة الجسم إلى فسحة عالم الذوق والطرم « 2 » ، وذلك مبلغهم من العلم ؛ فهؤلاء لم يتفطّنوا برؤية غير الإحساس ، ولا بمرئيّ سوى المحسوس ، فلذلك أبطلوا الرؤية الواردة في الآيات والأخبار بمعناها ، وأثبتوا العلم اليقيني مجراها ، وأوّلوها بالعلم والمعرفة ، وأين ذلك من الشهود والرؤية ؟ ! وطائفة أخرى لم ينالوا من النفس مقام الفتوح ، ولم يصعّدوا
هامش
( 1 ) . متقدّرة : متعدّة م ن د ب ر .
( 2 ) . الطرم : الشّهد وهو العسل ما دام لم يعصر من شمعه .