الّتي هي كتاب المحو والإثبات وموطن الكائنات الفاسدات . ثمّ انّه وضع لكلّ كائن مقدارا من زمان الوجود وهو أجله كما قال عزّ من قائل
لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
« 1 » وهو لوح النفس الكلية . ولست أظنّك أن تكون ممّن شككت في تحقّق هذه الخصال في الجواهر لأنّها ترتّبت من المرتبة النفسية متسافلة إلى ما هاهنا ، وكذا في الأعراض الّتي هي من صنع اللّه ، لأنّها أيضا انّما تأتي من هناك كما في الأخبار : انّ « نور اللّه أحمر منه احمرّت الحمرة » « 2 » إلى غير ذلك من هذا القبيل ؛ وأمّا الأعراض التي هي من أفعال العباد فانّها انّما صدرت من النفس الجزئية من حيث انطباعها بمرتبة الطبيعة حسب إرادتها بتحريك آلات جسمانية متكمّمة في حصّة من الزمان ، فتحقّقت هذه الخصال في أفعال العباد أيضا وهي كلّها من تدبير اللّه وغلبة سلطانه . ولا يلزم من ذلك استناد فعل العبد إلى اللّه لا بواسطة ولا بغير واسطة ، لأنّ كليّات تلك الخصال الّتي هي من لوازم الألوهيّة وعلامات الربوبيّة ممّا توجد جزئيّاتها في العبد ، من حيث انّ وجود العبد انّما تألّف منها ولا يخرج عنه شيء منها ، لا انّها تعلّقت بأفعال العباد ، كما تتعلّق مشيتنا مثلا بفعل غيرنا من أمثالنا ، كما يتوهّمه الأكثرون ، لأنّ ذلك تشريك في المشيّة أو في الفعل فتلزم أن تكون هاهنا مشيتان وإرادتان - مشية اللّه ومشية العبد - أو إرادتان « 3 » أو فعلان . وكلّ ذلك مستحيل في مشرب أهل التوحيد ، وتعاضده الأخبار كما هو غير خاف على من تتبّع الآثار ، بل ليس هاهنا الّا مشية واحدة هي للعبد حقيقة ، لكنّها إحدى مظاهر مشية اللّه تعالى . وبهذا الاعتبار تسمّى « مشيّة عزم » ومن ذلك يتصحّح قوله تعالى :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 4 » أي بعين هذه المشية . وما ورد في القدسيات : « بمشيّتي كنت أنت الّذي
هامش
( 1 ) . الرعد : 38 - 39 .
( 2 ) . التوحيد ، ص 326 : « . . . ونور أحمر احمرّت منه الحمرة » .
( 3 ) . إرادتان : إراديان د .
( 4 ) . الإنسان : 30 .