تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح توحيد الصدوق — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
رسالته الموضوعة لهذه المسألة « 1 » ، ومع تخالفهم قد اشتركوا في القول بالفاعل القريب والبعيد مع القول بالإيجاب ، وأنت قد عرفت حال الإيجاب ؛ ولا ريب في انّ القول بالفاعلين على هذا النحو لا يخلو من جبر وشرك عند أولي الألباب ، وطائفة منهم من أهل التحقيق في زماننا تفطّنوا بأنّ اللزوم والوجوب في أفعال اللّه ينافي استحقاق المدح وهو المناط لاستحقاق العبادة كما انّ الوجوب السابق في أفعال العباد ينافي استحقاق الثّواب بناء على الأوّل بأنّ الاختيار اللائق بجناب الكبرياء هو ما يصحّ كل من الفعل والترك بالنظر إلى الشرائط في جميع الأوقات ، فنفوا عنه تعالى الإيجاب بجميع معانيه أي امتناع الانفكاك بالنظر إلى الذّات ، وبالقياس إلى الداعي في جميع الأوقات ، وبالنظر إليه في وقت الفعل . وحكموا بناء على الثّاني بأنّ للعبد قدرة ولقدرته تأثيرا وتأثيره غير خارج عن طاقته بالوجوب السابق ، فهو قادر في زمان الفعل على الترك وبالعكس ، ولا يمتنع شيء منهما عليه الّا بعد وقوع مقابله عنه باختياره . وقالوا في الردّ على القدريّة : كون أزمّة الأمور كلّها بيده تعالى ، وانّ ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن ، وانّ الكل واقع بعلم اللّه ومشيته وإرادته وقدره وقضائه ، لا ينافي استناد الفعل إلى العبد ، بل هو من ضروريات مذهب الإمامية ، وانّما يكفي في جواز المؤاخذة كون المعاصي واقعة بقدرتهم بلا إجبار على وجه كانوا قادرين على تركها ، وانّ أصل القدرة كافية في ترتّب العقاب والثواب وغيره . وأمّا الاستقلال فغير لازم ، ولا ينافي ذلك عدله تعالى ، ولا يلزم من مطابقته لمقتضى مشيّة اللّه وما شاكلها من تدابيره « 2 » الواقعة منه تعالى ، على وفق نظام العالم قضاء لحق الربوبيّة ولوازم الألوهية أن تكون مستندة إليه تعالى . وانّما يلزم لو شاء معصيتهم مشية حتم فأوقعها على أيديهم بإجبار وإلزام . وليس كذلك ، فإضلالهم بخلق أمور ضروريّة لمصلحة العالم مفضية إلى اختيارهم الضلالة ،
هامش
( 1 ) . أي رسالته في الجبر والاختيار . وله أيضا رسالة أفعال العباد بين الجبر والتفويض ، المطبوعة في ذيل تلخيص المحصّل ص 477 . ( 2 ) . تدابيره : تدبيره ب .
شرح توحيد الصدوق — صفحة 183 | القاضي سعيد القمي