إذا تعرفت هذا العلم الغامض ، وذقت ذلك الحلو الحامض ، فاعلم انّ العلم بالاعتبار الأوّل من صفاته الذاتية وهو لا يقتضي معلوما ، بل يحكم باستهلاك المعلوم ، ويقتضي فناء هذه الرسوم ، وليس بالنسبة إليه تكليف ، ولا تقدّم ولا تأخّر بل هو مستمرّ أزلا وأبدا وغيبا وشهادة ؛ وأمّا بالاعتبار الثاني فيجامع « 1 » المعلوم ، بل هو كما عرفت نفس وجوده ، فيتحقّق باعتباره التكليف بكلّ فعل « 2 » حضر وقته ، وذلك في كلّ زمان تحقّق وجود المكلّف وقدرته إلى انقضاء أجله ؛ فلا يتحقّق تكليف بما لا يطاق وبالجملة ، فإخبار اللّه تبع لعلمه الّذي هو وقوع المعلوم على النحو الّذي وقع ، وهذا هو معنى « العلم الفعلي » في اصطلاح أرباب الحكمة لا ما توهّمه أكثر المتفلسفة . فلمّا لم يكن أبو لهب يؤمن حين ما يكلّف أخبر اللّه نبيّه - صلّى عليه وآله - بأنّه لم يؤمن مثل ما انك تكلّف أحدا بفعل ولم يقبل أمرك ، تيقّنت بأنّه لم يأتمر إلى أن يتكرر ذلك منه ومنك فتأيس « 3 » من قبوله ؛ فافهم ، فإنّ ذلك ممّا لا يناله الأكثر ، ثمّ تبصّر ، فإنّه ممّا لم تجده في كتاب ولا دفتر ؛ والحمد للّه على فضله وإنعامه .
الحديث الثاني [ كلام في أفعال العباد والمذاهب في ذلك من المجبّرة والمفوّضة والقائلين بالأمر بالأمرين ]
بإسناده عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني عن الإمام عليّ بن محمّد عن أبيه محمّد بن عليّ ، عن أبيه الرّضا علي بن موسى عليه السّلام قال : خرج أبو حنيفة ذات يوم من عند الصادق - عليه السّلام -
هامش
( 1 ) . فيجامع : فتجامع د م .
( 2 ) . فعل : فعله د .
( 3 ) . فتأيس : فتيأس د .