لا سبيل لهما في حضرة الكبرياء ، وانّه لا يلزمه شيء من الأشياء ، ولا يلزم هو شيئا ، وانّ ذلك ينافي استحقاق المدح الّذي هو مناط استحقاق العبادة ، فحكموا بأنّ الاختيار اللائق بجنابه تعالى هو ما يصحّ معه الفعل والترك بالنظر إلى الذّات وإلى الداعي والشرائط في جميع الأوقات ، ونفوا عنه الإيجاب بجميع أنحائه ومعانيه وهذا هو الحق الّذي نحن عليه ونحمد اللّه ، على ما هدانا إليه في تقليد أحكام أهل البيت - عليهم التحيّة والتسليم - واجتهاد عقولنا في سلوك سبيل البرهان القويم وسوف نقرع سمعك بما يزيح الشك من طبعك ، ومن اللّه العون في الخلاص عن المهالك ، انّه القدير على ذلك . فبالحريّ أن نتكلّم في المقامين : الأوّل في انّه لا يجوز نسبة الظلم والشرّ والقبيح وأنحاء الإيجاب إلى اللّه وأفعاله تعالى ، والثاني في أفعال العباد وكيفية خلقها وسيجيء الكلام في المقام الثّاني في شرح الحديث الثاني إن شاء اللّه وأمّا المقام الأوّل ، فنذكر في بيانها مقاصد قد وعدناك الكلام فيها بعد المقدّمة . وعليك أن تضع جلباب الاعتساف وتلبس شعار الإنصاف .
المقصد الأوّل في بيان الترجّح بلا مرجّح والترجيح بلا مرجّح وترجيح المرجوع والقول الفصل فيها
أمّا الأول ، فامتناعه واضح بيّن بالبداهة العقلية ولست أرى من أهل العقل من ينكر ذلك ، اللّهمّ الّا من هو خارج عن الفطرة الإنسانية ، داخل في زمرة السوفسطائيّة .
وأمّا الثّاني والثالث فمعركة للآراء ومدحضة للأهواء : فطائفة أفرطوا وتوغّلوا وحكموا بامتناعهما مطلقا ، وطائفة فرّطوا وقصّروا وحكموا بجوازهما مطلقا ، وفرقة اختاروا الوسط من الطرفين وحكموا بأمر بين أمرين وقالوا : انّما المحال هو الترجيح بلا مرجّح والترجيح لمرجوح من غير داع مختص ، أمّا إذا كان مع الطرف المختار داع سواء ساوى داعي الطرف المقابل أو ضعف عنه فلا استحالة .