بالاختيار مطلقا ؛ ثمّ اتفقوا وأجمعوا - أي المسلمون - على انّ القول بذلك من ضروريّات الدين ، وانّ المنكر لها أو لبعضها خارج عن زمرة المسلمين ؛ فبعد ذلك الاتّفاق والإجماع تحزّبوا أحزابا وتفرّقوا أيدي سبا « 1 » ، فأكثر الطوائف المتّسمين بالإسلام اكتفوا في الأربعة الأول بنفي الاسم وأثبتوا المسمّى ، بناء على أصولهم ، وقالوا بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، وهؤلاء كالأشعرية وأضرابهم ، فانّهم وإن نفوا القول بالظلم والقبيح وغيرهما ، لكنّه يلزمهم ذلك عند العقلاء ، كما قد فرغ منه « 2 » في الكتب الكلامية وغيرها .
وأمّا المقام الخامس « 3 » وهو إجماع الملّيين بوجوب اتّصافه سبحانه بالاختيار ، فزعم بعضهم انّ الثابت في ذلك من ضروريات الدّين هو المعنى المقابل للإيجاب الطبائعي « 4 » أي ما يصحّ معه الفعل والترك بالنظر إلى الذات فقط ، فيكفي عندهم في حقّية الشرائع كون أفعاله تعالى على وفق الداعي وطبق الحكمة والمصلحة وإن كانت لازمة له لا ينفكّ عنه ، وطائفة لم يرضوا بذلك ، بل اعتقدوا انّه مع ذلك يجب القول بالاختيار بالمعنى المقابل للإيجاب بمعنى امتناع الانفكاك أيضا ، وهو ما يصحّ معه الفعل والترك بالنظر إلى الداعي في وقت وإن كان وقتا موهوما ولا ينافيه الوجوب السابق في وقت آخر ، وانّما المنافي وجوب ذلك في جميع الأوقات ، وذلك لإطباق أصحاب الوحي على الإخبار بالانفكاك فكان ضروريّا لجميع الأديان ، لكن تلك الطائفة لم يبالوا بإيجاب شيء عليه تعالى بالنظر إلى الشرائط وجوبا سابقا ، إذا لم يستدع المقارنة في جميع الأوقات لأنّه قد ثبت نفيها بإجماع الأنبياء .
وهاهنا شرذمة قليلون تفطّنوا بفطرتهم الصافية وعقيدتهم السليمة المرتاضة ، اقتفاء لآثار أئمتهم الطاهرة - صلوات اللّه عليهم - بأنّ اللزوم والوجوب السابق
هامش
( 1 ) . أيدي سبا : أهدى سبا ب ، أيدي صبا م : أيدي سبا : أي متفرّقين ( قاموس ) .
( 2 ) . منه : عنه ب ن .
( 3 ) . أي انه تعالى لا يضطر في فعله .
( 4 ) . الطبائعي : الطبيعي د .