كما قال جلّ وعلا :
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
« 1 » « والكلم الطيب » هي المعارف الحقّة والحقائق الإلهية ،
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
« 2 » وقد عرفت ومن البيّن انّ القرآن هو جملة الحقائق الإلهية والأنوار العقليّة المتلبّسة بلباس الألفاظ والحروف ، لأنّه تفصيل كلّ ما في العالم العلوي والسفلي وفيه تبيان كل شيء .
ومعنى صعود الملائكة والروح إلى اللّه في تلك المدّة هو صعود تلك الحقائق والمعارف إليه . وأقلّ ذلك انهم يصعدون إليه بهذه الأنوار واللّطائف ، والّا فهو سبحانه أقرب من كلّ قريب وهو أقرب إليكم من حبل الوريد « 3 » ، ولا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، فصعود جميع حقائق المنزلة من عنده إليه هو المعبّر عنه بعروج الملائكة والروح إليه في تلك المدّة . وذلك بالتخليص من أوزار الدار المخلوطة خيراتها بالشرور ، والتطهير من ألواث نشأة دار الغرور . وبالجملة ، ظهر من تلك البيانات انّ جملة الحقائق الإلهية وقاطبة الأنوار العقلية الّتي تقلّبت في الآثار وتطوّرت بالأطوار هي الخمسون ألف ، فإذا تخلّصت كل التخلّص وتمحّضت غاية التمحّض من كسوة الآثار انتقلت العمارة إلى دار القرار . فالآيات السبعة المندرجة في الفاتحة التي هي « السبع المثاني » « 4 » هي كليات سبعة آلاف من تلك الحقائق . ولا يبعد أن يكون سرّ « المثاني » ذلك الاشتمال الكلي فيكون سبع الخمسين ، والكسر غير ملحوظ في تلك المقامات ، كما يعرفه أرباب الدرايات .
ولذلك ورد في الأخبار انّ : من قرأ فاتحة الكتاب فكأنّما قرأ سبع القرآن . ولمّا لم
هامش
( 1 ) . فاطر : 10 .
( 2 ) . النحل : 96 .
( 3 ) . اقتباس من قوله تعالى :« وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ »( ق : 16 ) .
( 4 ) . على ما في تفسير مجمع البيان ، ج 1 ، ص 87 ، كلّ من « السبع » و « المثاني » اسم لفاتحة الكتاب . وقال الرازي في التفسير الكبير ، ج 1 ، ص 175 : « الاسم الرابع من أسماء هذه السورة « السبع المثاني » ، قال اللّه تعالى :وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي. ثمّ ذكر في سبب تسميتها بالمثاني وجوها .