التنزيل : منها ، مراتب الحقائق الوجودية ؛ ومنها ، مراتب الأعداد والحروف الغيبية إلى أن انتهت إلى الحروف اللفظية . والقرآن الكريم هو الجامع لتفاصيل الحروف الغيبيّة وجملة حقائق المراتب الوجودية والمعبر عن مقام الجمع ومرتبة الوحدة الخالصة عن شوب الشركة ذاتا وصفة وفعلا ، فتوحيد الذات هاهنا نظير العقد القلبي في الإيمان بمعنى انّه الأصل والمناط وسبب النجاة . ولا ريب انّ الشرك في الأفعال يستلزم الشرك في الصفات ، وذلك ظاهر وهو يستلزم الشرك في الذات ، كما يعرفه العارفون باللّه وآياته . فتوحيد الذات على الإيقان والعرفان التّام ينفي التشريك في الذات بالذات وأوّلا ، ثم ينفي التشريك في الأسماء والصفات ثانيا وبالعرض ، وينفي التشريك في الأفعال ثالثا وبالتبع ؛ هذا إذا أقرّ بذلك على العرفان مرّة ، وأمّا إذا أقرّ به ثلاث مرّات فكلّ مرّة ينفي شركا من الأنحاء الثلاثة ، إذ التأسيس أولى من التأكيد . ومن المستبين انّ السورة المباركة تدلّ على التوحيد المحض الخالص عن شوب الشريك في الذات ، كما عرفت غير مرّة ، فإذا تكررت القراءة مع العرفان دلّ على التوحيدات الثلاثة كلّ مرّة على كلّ واحد . ثمّ من المقرّر انّ القرآن تصديق الكتب المنزلة وتفصيلها ، فهي مراتب إجمالية على الترتيب إلى أن انتهى الأمر إلى القرآن ، كما انّ مراتب الرّسل المنزل إليهم الكتب كذلك ، بالنسبة إلى نبيّنا - صلّى اللّه عليه وآله - فالكلّ ناطقة بالتوحيد المطلق المشتمل بإجماله على التوحيدات الثلاثة ، لكن في الكتب السالفة ظهرت بنحو من التفصيل ، وفي القرآن بكماله ، لأنّه
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
« 1 » والحاصل ، انّ من قرأ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
مرّة معتقدا معناه المقصود الأولى ، وهو نفي الشريك في الذات ، فكأنّما عرف المقصود من الكتب الأربعة ، ناقصا نقصان سهم الثلث من الكلّ ، وهكذا ، وخلاصة ذلك انّ القرآن هو الكلام في ذات اللّه وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وانّه المتوحّد فيها لا يشركه أحد . فالقارئ للسورة الكريمة مرّة قد اعتقد توحيد الذات الذي هو الأصل ومنطوق السورة ومدلولها الأوّل ، فهو
هامش
( 1 ) . هود : 1 .