والاستكانة والخضوع على بساط خدمة اللّه فقد فاز فوزا عظيما . ولا حجاب أعظم « 1 » وأوحش بين العبد وبين اللّه من النفس والهوى وليس لقتلهما وقطعهما سلاح وآلة مثل الافتقار إلى اللّه والخشوع والجوع والظمأ بالنّهار والسّهر باللّيل ؛ فإن مات صاحبه مات شهيدا وإن عاش واستقام أدّى عاقبته إلى الرّضوان الأكبر قال اللّه عزّ وجل :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
« 2 » وإذا رأيت مجتهدا أبلغ في جهاده فوبّخ نفسك ولمها وعيّرها تحثيثا على الازدياد عليه ؛ واجعل لها زماما من الأمر وعنانا من النّهى وسقها كالرائض الفاره الّذي لا يذهب عليه من خطواتها إلّا وصحّ أوّلها وآخرها . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يصلّي « 3 » حتى يتورم قدماه ويقول : أفلا أكون عبدا شكورا . أراد أن يعتبر به أمّته فلا تغفلوا عن الاجتهاد والتّعبّد والرّياضة بحال . وإنّك لو وجدت حلاوة عبادة اللّه ورأيت بركاتها واستضأت بنورها . لم تصبر عنها ساعة واحدة ولو قطعت إربا إربا ؛ فما أعرض من أعرض عنها ، إلّا بحرمان فوائد السّلف من العصمة والتوفيق . قيل « 4 » لربيع بن خثيم : ما لك لا تنام باللّيل ؟ قال : لأنّي أخاف البيات .
هامش
( 1 ) . أعظم : اظلم د .
( 2 ) . العنكبوت : 69 .
( 3 ) . راجع ص 738 .
( 4 ) . « ان ابنته قالت له : ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام ؟ ! قال يا بنتاه : انّ أباك يخاف البيات » . ( تفسير جوامع الجامع للطبرسي ، ج 1 ، ص 455 ) والبيات إشارة إلى قوله تعالى :قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً( يونس : 50 ) ووَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً( الأعراف : 74 ) وللشارح فيه بيان إجمالي سيأتي في ص 739 .