الموطن ، وقع التقدير بعمارة الأرض لأجل أداء ذلك الفرض ، ولا ريب انّ هذا انّما يتأتّى بنشف الرطوبة المائية عن ظهر الأرض ولذا صار - بسابق عنايته جلّ مجده - مركز الشّمس خارجا عن مركز الكلّ حتى قربت من ناحية الجنوب فجذبت الرطوبات إلى ما هناك ، فحصل البحر في هذه الناحية وانجرّ الماء من الشمال حيثما تمّت بالعمارة في الأرض ، ونشأت فيها الحيوانات وابتدأ ذلك فيما يقرب خطّ الاستواء لاستيلاء الحرارة الشمسيّة على تلك الآفاق في أكثر الفصول على النسبة الواحدة تقريبا ؛ فلمّا طلعت شمس تلك الإرادة من سماء إطلاق مستوى الجسم الكلّي الّذي هو من وجه عرش اللّه العليّ ، وافى لشروقها وطلوع نورها هذا الأفق الاعتدالي لهذه الجهة . ولقد عرفت من سوابق بياناتنا ان هذه الطبيعة مظهر الإرادة الإلهية ، وأنّ « تكعّب العرش » عبارة عن الجهات الأربع التي لهذه الطبيعة فصار البيت مكعّبا لمحاذاته العرش الّذي قلنا ، فانطبعت النقوش العالية والصّور النوريّة في مرايا الحقائق السّافلة وسمّي كعبة لذلك الشكل وتلك المحاذاة ، ولأنها وسط الدنيا كما في الخبر النبوي « 1 » ونزيد ذلك بيانا ونقول :
قد عرفت انّ الجهات الأربع للطّبيعة التي هي مظهر الإرادة الإلهية :
منها ، ما يحاذي بها شطرا لعقل الكلّ ؛
ومنها ، ما لها بالنظر إلى النفس ؛
ومنها ، الجهة التي بالنظر إلى نفسها ؛
ومنها ، ما لها بالقياس إلى الهيولى ؛
فلمّا انعكست تلك الجهات النوريّة العلوية في مرآة أرض القابلية لظهور الأنوار الإلهية ، تحقّقت الأركان الأربعة للكعبة المباركة ؛
هامش
( 1 ) . الذي مرّ في ص 684 .