فظهرت هذه الصّور والأشكال في الجسم الكلّي أوّلا حين كانت السّماء مرتوقة غير متميزة ، فلمّا أراد اللّه فتقها ليتميز أعيانها نظم هذه الطّبائع الأربع فضمّ أوّلا الحرارة إلى اليبوسة على محاذاة توجه العقل إلى النفس ، فوجدت النار البسيطة المعقولة ، وظهر حكمها في الجسم الكلي الّذي هو العرش من وجه في ثلاثة أماكن هي الحمل والأسد والقوس ، ثمّ ضمّ البرودة إلى اليبوسة ، فوجدت الأرض البسيطة المعقولة وظهر حكمها في ثلاثة أماكن منه أيضا هي الثور والسنبلة والجدى ، ثم ضمّ الحرارة إلى الرّطوبة ، فوجد الهواء البسيط المعقول وظهر حكمه في ثلاثة أماكن أيضا هي الجوزاء والميزان والدّلو ، ثم ضمّ البرودة إلى الرطوبة ، فوجد الماء البسيط وظهر حكمه في السّرطان والعقرب والحوت ؛ فلمّا أحكم صنعها وأدارها ظهر الوجود ، وفرق بين الأرض والسّماء ، فحدث أوّلا ركنان :
أحدهما في المركز ، والآخر في المحيط ، لأنّهما يتعيّنان أوّلا في الدّوائر ، فظهر سلطان الحمل والثور ، ثم الرّكنان الآخران بينهما ، فظهر سلطان الجوزاء والسّرطان ، ثم ظهرت المولّدات من كلّ ركن بحسب ما يقتضيه ، فظهرت أمم العالم في سلطنة الأسد ؛ فلمّا انتهى الحكم إلى السّنبلة ، ظهرت النشأة الإنسانية بتقدير العزيز العليم . وجعل اللّه لها من الولاية في العالم العنصري سبعة آلاف سنة ، ثم ينتقل الحكم بعد ذلك إلى الميزان وهو زمان القيمة ، وفيه يضع اللّه تعالى الموازين القسط ؛ ولمّا لم يكن الحكم الّذي له لما أودع اللّه فيه من العدل في هذه النشأة الدّنيوية حيث شرع الموازين يعمل بها إلّا القليل من الناس وهم النبيّون والمحفوظون من الأولياء ، فلا محالة يكون سلطان الميزان في القيامة فلا تظلم نفس شيئا « 1 » وإن كان مثقال ذرّة . ولمّا كان له مرتبة السّبعة ، كانت له السبعة والسبعون
هامش
( 1 ) . مستفاد من قوله تعالى :وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً( الأنبياء : 47 ) .