والصّراط في الآخرة ، هو الجسر الممدود على جهنّم ، أدقّ من الشّعر وأحدّ من السيف ، وهو الصراط المشروع في الدنيا معنى ، ينصب في الآخرة جسما « 1 » .
فالمشرك والمعطّل والكافر ، لا قدم لهم على « صراط التوحيد » فلا قدم لهم في الآخرة على الصراط ، بل هم دون الوصول إلى الصراط يدخلون جهنّم وبئس المهاد ؛ والمنافق لا بدّ له من الصراط حتى ينظر إلى الجنّة ونعيمها فيتحسّر على فقدانها عنه ثم يصرف إلى النّار « 2 » ؛ وأهل الكبائر « 3 » يمسكون ويسألون ويعذّبون على الصراط في النار على مقادير ذنوبهم ، فقد ورد : « انّهم يمسكون في كلّ جسر ألف سنة » ، وما ثمّ طريق إلى الجنّة الّا على الصراط ، ولذلك ورد في القرآن :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
« 4 » . قيل : من عرف معنى هذا القول عرف مكان جهنّم ما هو ؟ ولمّا سئل النبي صلّى اللّه عليه وآله عنه قال : « هو في علم اللّه » ولو قاله النبي لقلته » - انتهى ملخص كلامه « 5 » .
ثم الصراط المستقيم في الدنيا هو الإسلام والدين الحنيف وهو الوسط الحق في الأخلاق المتضادّة ، إذ طالب البعد من الطّرفين على السّوية لا بدّ أن يمرّ على الوسط فيشبه بذلك الملائكة المنفكّين عن هذه الأوصاف بالكليّة ، فهو أدقّ من الشّعر كالخط الفاصل بين الظّل والشمس أي الدنيا والآخرة والعالم السّفلي
هامش
( 1 ) . الفتوحات ، ج 1 ، ص 315 .
( 2 ) . في الفتوحات ، ج 1 ، ص 315 أتى الضمائر والأفعال بالجميع : « فلا بد لهم . . . أن ينظروا . . . » .
( 3 ) . قال في الفتوحات ، ج 2 ، ص 315 : « والطائفة التي لا تخلد في النار انما تمسك وتسأل وتعذّب على الصراط » وكما ترى اقتبس الشارح هذه العبارة وغيّرها في الصيغ .
( 4 ) . مريم : 71 .
( 5 ) . أي كلام صاحب الفتوحات كما أشرنا إليه .