على نوريّة الجنّة وكونها مستنيرة بنور الرّحمن وعلى ظلمة جهنّم وكونها بعيدة عن معدن النّور والامتنان ، كذلك يدلّ على أنّهما واقعتين في العالم الجسمانيّ الخالص عن شوائب الهيئات الدنيويّة والمشوب بها ، لا أنّهما نفس هذه النشأة العنصرية .
وبالجملة ، فالقول بأنّ جهنّم ونيرانها عبارة عن عالم العنصري والطبيعة المحلّلة للأجساد المفنية لها كما ذهب إليه صاحب إخوان الصّفاء وغيره ، قول بالتناسخ وهو باطل كما قد فرغ عنه في الكتب العقلية ، بل الحق ما أدّت إليه الأصول العقلية معاضدة بالآيات الكثيرة والأخبار المستفيضة : وهو أنّ الموت عبارة عن انتقال النفس من هذه النشأة العنصرية ودخول إلى عالم آخر متصل بهذه النشأة بل باطنها وهو العالم المتوسط بين الدنيا والآخرة ، وانّ الآخرة هو عالم آخر فوق هذا العالم المتوسط ، وقد تقرّر في الموضع اللائق به : أنّ كلّ ما في هذا العالم العنصري من نعيم وجنّات وآلام وعقوبات وغير ذلك من الحالات فهو مثال وصنم وأنموذج لعالم آخر فوقه ، وانّ هذا العالم الفوقاني عالم الطيف جسماني مملكة للنفس وسلطانها فيه ، وكلّ ما في هذا العالم النفسي فهو شبح ومثال لما في العالم العلوي الذي سلطانه العقل الكلي ، فكما أنّ للجنة مظاهر في هذه العوالم الثلاثة ، كذلك للنّار ؛ فالدنيا سجن المؤمن « 1 » وآلامها نيرانه ، وجنّة الكافر ولذّاتها نعيمه . فليس للكافر جحيم في النشأة العنصريّة ، فتدبر ؛ إلّا أنّ الجنّة لها ظهور في مواضع معيّنة من الأرض كما أومأنا إليه يعبّر عنها بأنّها مقام أرواح المؤمنين كظهر كوفة « 2 » وغيرها ، وكذا للنّار مظاهر في هذه الأرض : ورد أن أرواح الكفار تكون فيها
هامش
( 1 ) . مستفاد من حديث عن النبي : « الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر » ( سنن ابن ماجة ، ج 2 ، كتاب الزهد ، ص 1378 حديث 4113 ) .
( 2 ) . الكافي ، ج 3 ، كتاب الجنائز ، باب في أرواح المؤمنين ، حديث 1 و 2 ص 243 .