النّصّ القاطع ، وما بقي منها يعود إلى النار ، وعلى هذا فالكواكب كلّها في النّار مظلمة الأجرام منكسفة في غاية الظّلام ، وذلك لأنّ كسوفاتها ليست بسبب عارض كما في الدنيا من حيلولة الأرض في القمر ، والقمر في الشمس ، وغيرهما ، بل الكسوف في الآخرة حقيقي ذاتي ما ينجلي أبدا فهو كسوف في ذوات هذه الكواكب لا بالنظر إلينا وبالنسبة لي أعيننا « 1 » . وسيظهر هذا الكسوف وذلك الخسوف في آخر الزّمان وهو من أشراط الساعة فقد روي : أنّ الكسوف يقع في آخر الشهر والخسوف في وسطه ، وذلك ممّا يشعر بأنّهما ليسا من طريق الحيلولة .
أمّا صاحب إخوان الصّفا ومن تبعه من العلماء فقد ذهبوا : إلى أنّ جهنّم هو عالم الكون والفساد والطبيعة التي تحت السماء الدنيا ، وأنّ النار هي الطبيعة المحلّلة المستولية على الجلود بالإذابة والتحليل والتبديل في كلّ آن ، لو لم يرد بدل ما يتحلّل منها شيء . فما دامت النفس متعلقة بهذا البدن العنصري بحيث كأنّها هي البدن ، كانت متأثرة عن تلك الطبيعة في ذاتها وفي قواها منفعلة عن نيرانها الكامنة في البدن المجفّفة للرطوبات الصالحة الحاصلة من الأغذية ، وكذا صارت متألّمة بإنارة حرارة الشهوة والغضب وبإحداث الحميّات والآلام والأوجاع والأسقام التي منشأها تلك الطبيعة ، وأكدّوا ذلك الحسبان بقوله :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها
« 2 » إذ هذا التبديل الذي هو بعد التحليل انّما هو صفة النّار التي في هذا العالم ، وقوله تعالى :
كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
« 3 » ولا يكون الخبو الّا في هذه النار ، والزّيادة
هامش
( 1 ) . الفتوحات ص 299 : « فانّ كسوفها ما ينجلي وهو كسوف في ذاتها لا في عيننا » .
( 2 ) . النساء : 56 .
( 3 ) . الإسراء : 97 .