اعلم « 1 » انّ جهنّم من أعظم المخلوقات وسميت بها لبعد قعرها يقال : بئر جهنّام ( بالتّشديد ) أي بعيد القعر ، وهي دار حرورها هواء محترق لا جمر لها سوى بني آدم والأحجار المتخذة إلها من دون اللّه . وأمّا الجنّ ، فهم لهبها وتحوي على حرور وزمهرير ، ففيها البرد على أقصى درجاته والحرور على منتهى طبقاته ، وبين أعلاها وأسفلها سبعون خمسمائة سنة ، وهي سجن اللّه في الآخرة ليسجن فيها أربع طوائف « 2 » - كما الجنة ، يدخلها كذلك - وهم : المعطلة الملاحدة ، والمشركون والكافرون ، والمتكبّرون ، والمنافقون . وأمّا أهل الكبائر من المسلمين ، فليسوا من أهلها المخلّدين فيها ، هم يخرجون منها بالامتنان الإلهي وشفاعة النبيّ .
قيل « 3 » : وانّما صارت أصحاب النّار أربعة . لأنّ اللّه ذكر عن إبليس انّه يأتي النّاس من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم « 4 » ، فيأتي المشرك من بين يديه لأنّه أثبت مع اللّه إلها آخر ، ويأتي للمعطّل من خلفه لأنّ الخلف ليس هو محلّ النظر والفكر وهو لم ينظر إلى إله للعالم أو من العالم ، وللمتكبّر عن يمينه لأنّها محلّ القوة فيتكبّر لقوّته التي أحسّ من نفسه ، ويأتي للمنافق عن شماله لأنّها الجانب الأضعف وهو أضعف الطوائف لأنه أظهر الإسلام لضعفه والقهر الّذي حكم عليه .
وأمّا وجودها « 5 » ، فالحق انّها مخلوقه يعمرها الطوائف الأربع بأعمالهم ، وأنّها خلقت بطالع الثّور ، ولذلك كان خلقها بصورة الجاموس .
هامش
( 1 ) . الفتوحات المكيّة ، الباب 61 ، ج 1 ، ص 297 والشارح نقل منها بتصرف واختصار .
( 2 ) . نفس المصدر ، ص 302 - 301 .
( 3 ) . نفس المصدر ، ص 302 .
( 4 ) . إشارة إلى قوله تعالى :ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ . . .( الأعراف : 17 )
( 5 ) . الفتوحات ، ج 1 ، ص / 297