الاحتمال الفقرات الآتية . و « التّناكر » « 1 » : التجاهل والتعادي ، وتناكره : جهله .
وهاهنا يحتمل المعاني الثلاثة بأن يكون المراد : انّ فيكم ما هو مبدأ المعاصي والذّنوب وهو أنفسكم وأنتم تجاهلتم عن ذلك وعملتم « 2 » عمل الجاهل بالشيء حيث تغفلون عنه ولا تتداركون شرّه وانكم تعاديتم وتباغضتم الشرور والمعاصي ومبدأها فيكم وهو أعدى عدوّكم ، كما في الخبر : « أعدى عدوّك نفسك الّتي بين جنبيك » . هذا إذا كانت كلمة « من » في قوله : « من المعاصي » للبيان ويحتمل أن يكون للتعليل أي انّكم ما جهلتم شيئا الّا ما هو فيكم ، وذلك الجهل انّما هو لأجل المعاصي والذّنوب الصادرة عنكم . والغرض بيان أنّ الإنسان إذا جهل شيئا من العالم فهو جاهل بما في نفسه وذلك : إمّا لأنّه نسخة جامعة لحقائق باقي العالم ، فأقرب الأشياء إليه نفسه ، فبمعرفة نفسه يعرف حقائق العالم ، بل يعرف ربّ العالمين كما انّ خبر : « من عرف نفسه عرف ربّه » « 3 » ناصّ بذلك وفي هذا المعنى قال مولانا سيّد العابدين وزين السّاجدين « 4 » عليه السلام :
دواؤك فيك وما تشعر * وداؤك منك وما تبصر
وإمّا لأنّه محيط بالعالم ومحتو عليه إحاطة نوريّة واحتواء ذاتيا ، كما قال هو عليه السلام :
وتزعم انك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر
وبالجملة ، انّ الإنسان ما لم يعرف نفسه وما فيه من الحقائق الإلهيّة والجواهر العقلية ، لم يعرف شيئا من العالم وما فيه من الحقائق الكونية ؛ لأنّ العالم في الحقيقة
هامش
( 1 ) . والتناكر : والتنافر م .
( 2 ) . عملتم : عملتم م .
( 3 ) . كلام مشهور من عيسى ، ونبيّنا وعليّ عليهم السلام وأيضا من بعض الحكماء .
( 4 ) . الأشعار منسوب لعليّ بن أبي طالب عليه السلام كما في ديوان المنسوب إليه ، ص 103 .