وانما لم يوصف بالذوق والشم واللمس لعدم ورود النقل بها وإذا نظر في ذلك من حيث العقل لم يوجد له وجه سوي ما ذكره هؤلاء فان اثبات صفتين شبيهتين بسمع الحيوانات وبصرها مما لا يمكن بالعقل والأولى ان يقال الماورد النقل بهما آمنا بذلك وعرفنا انهما لا يكونان بالآلتين المعروفتين واعترفنا بعدم الوقوف على حقيقتهما احتج الباقي على نفيهما عنه تعالى ( بوجهين * الأول انهما تأثر الحاسة ) عن المسموع والمبصر ( أو مشروطان به ) كسائر الاحساسات ( وانه ) أي التأثر المذكور ( محال في حقه ) تعالى ( والجواب منع ذلك ) إذ المعلوم انهما لا يحصلان لنا الا مع التأثر ( ولا يلزم من حصولهما مقارنا للتأثر فينا كونهما نفس ) ذلك ( التأثر أو مشروطين به وان سلمنا انه كذلك في الشاهد فلم قلتم انه في الغائب كذلك فان صفاته تعالى مخالفة بالحقيقة لصفاتنا فجاز ان لا يكون سمعه وبصره نفس التأثر ولا مشروطا به ( الثاني اثبات السمع والبصر في الأزل ولا مسموع ولا مبصر ) فيه ( خروج عن المعقول والجواب ان انتفاء التعلق ) في الأزل ( لا يستلزم انتفاء الصفة ) فيه ( كما في سمعنا وبصرنا فان خلوهما عن الادراك ) بالفعل في وقت ( لا يوجب انتفاءهما أصلا ) في ذلك الوقت
شرح
الاسلام الفلاسفة المتمسكون بأقوال الأنبياء مطلقا لان الأنبياء المتقدمين أيضا قالوا بثبوت السمع والبصر ( قوله وانما لم يوصف بالشم الخ ) قيل لا خلاف في عدم جواز وصفه تعالى بهذه الثلاثة لعدم ورود النقل لكن إذا ثبت التغاير بين الانكشافين في المسموع والمبصر ثبت التغاير بينهما في المشموم وأمثاله وإذا ثبت الانكشاف الثاني في المسموع والمبصر له تعالى وجب اثباته في المشموم وأمثاله أيضا لئلا يلزم التجهيل تعالى عن ذلك علوا كبيرا ولذا قال امام الحرمين يجب وصفه تعالى بادراك الطعوم والروائح والحرارة والبرودة كما يجب وصفه تعالى بادراك المسموع والمبصر للشركة في الدليل لكن لا يقال إنه تعالى شام ذائق لامس لأنها تنبئ عن الاتصالات الجسمانية وأنت خبير بأن هذا انما يتأتى على القول بأن السمع مثلا نفس العلم بالمسموع وأما على القول بأنه صفة زائدة فلا لان قياس اثبات الانكشاف الثاني في المشموم وأمثاله له تعالى على اثباته له في المسموع والمبصر مشكل إذ ليس العلة في هذا الاثبات حينئذ لزوم التجهيل بنفيه كيف وهذا الانكشاف عند القائل بأن كلا من السمع والبصر صفة زائدة على الصفات الخمس الباقية ليس علما حتى يلزم التجهيل من نفيه على أن قابلية الذات للاتصاف بهذه الانكشافات شرط في لزوم التجهيل على تقدير انتفائه ودون اثباتها خرط القتادة فالعلة فيه ورود النقل المفقود في المشموم وأمثاله ( قوله خروج عن المعقول ) قالوا ولا ينتقض ذلك بالعالمية والقادرية الازليتين لان العالمية يصح تعلقها بالمعدوم وبما سيوجد والقادرية يصح تعلقها باحداث الفعل في الوقت الثاني بخلاف السامعية والمبصرية ( قوله فان خلوهما عن الادراك بالفعل ) قيل تجويز خلو الباري عن الادراك السمعي والبصري مع بقاء منشأ هما أعنى السمع والبصر مذهب أبي الحسين بعينه وقد أبطلوه فكيف يلتزمون هذا وجوابه ما أشرنا إليه آنفا من أن الادراك السمعي والبصري عند من يثبت السمع والبصر صفتين زائدتين أمر