قل ( يخلقها اللّه في غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل أو النبي وهو حادث ) كما ذهبت إليه الكرامية خلافا للحنابلة فهم أيضا صححوا القياس الثاني لكنهم قدحوا في صغرى القياس الأول وهي ان كلامه تعالى صفة له ( وهذا ) الذي قاله المعتزلة ( لا تنكره ) نحن بل نقول به ونسميه كلاما لفظيا ونعترف بحدوثه وعدم قيامه بذاته تعالى ( لكنا نثبت أمرا وراء ذلك وهو المعنى القائم بالنفس ) الّذي يعبر عنه بالألفاظ ونقول هو الكلام حقيقة وهو قديم قائم بذاته تعالى فتمنع صغرى القياس الثاني ( ونزعم انه غير العبارات إذ قد تختلف العبارات
شرح
( قوله بل يخلقها اللّه تعالى في غيره ) خالقهم الهذيل في نفس كن فإنه قال قوله تعالى للشيءكُنْعرض حادث لا في محل لان المحل سابق على الحال ولو بالذات فلا يكون شيء من المحال أجساما كانت أو غيرها الا بعد كن بدليل قوله تعالىإِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُوهذا الاستدلال ضعيف لأن حقيقة قوله تعالىإِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍالآية هو أن ليس قولنا لشيء من الأشياء عند تكوينه الا هذا القول وهو لا يقتضي ثبوت هذا القول لكل شيء حتى يلزم تقدمه على جميع المحال الا ترى انك إذا قلت ما قولي لأحد من الناس عند ارشاده الا أن أقول له تعلم لم يدل على انك تقول لكل أحد تعلم بل على انك لو قلت في حقه شيئا لم يكن الا هذا القول وبهذا التوجيه يندفع أيضا ما يقال من أن الآية تدل على قدم كلمة كن إذ لو كانت حادثة لكانت واقعة بكلمة كن أخرى سابقة لعموم لفظ شيء من حيث وقوعه في سياق النفي معنى ويتسلسل فان قلت كلام العبد مخلوق له عند المعتزلة فلا يكون مخلوقا للّه تعالى قلت ذكر الآمدي في ابكار الافكار أن المعتزلة كافة اتفقوا على أن معنى كونه تعالى متكلما انه خالق للكلام على وجه لا يعود منه إليه صفة حقيقية كما لا يعود من خلق الأجسام وغيرها فأما أن يستثنى القرآن عن الكلية أي عن قولهم العبد خالق لجميع أفعاله الاختيارية أو ينفى كونه فعلا اختياريا له لكن كل منهما لا يخلوا عن شائبة التخصيص من قواعدهم العقلية وقد يقال مذهبهم أن اللّه تعالى خلق كلامه أولا في العبد ثم لبعد خلق مثله تعالى شأنه عما يقولون ( قوله كاللوح المحفوظ ) اللوح المحفوظ عند جمهور أهل الشرع جسم فوق السماء السابعة كتب فيه ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة كما يكتب في الألواح المعهودة وليس هذا بمستحيل لان الكائنات عندنا متناهية فلا يلزم عدم تناهى اللوح المذكور في المقدار وأما عند الفلاسفة فهو النفس الكلى للفلك الأعظم ترتسم فيه الكائنات ارتسام المعلوم في العالم إذا عرفت هذا ففي قوله يخلقها اللّه تعالى في غيره كاللوح المحفوظ تأمل لان المخلوق فيه هو النقوش لا الأصوات والحروف وان حمل على حذف المضاف أي يخلق اللّه دوالها لم يتم التقريب كما لا يخفى وأيضا يلزم التكلف في قوله أو جبرائيل أو النبي عليه الصلاة والسلام لان المخلوق فيهما نفس الأصوات والحروف ( قوله يعبر عنه بالألفاظ ) المتبادر منه هو أن الكلام النفسي هو المدلول الوضعي للألفاظ الا انه لا نزاع في أنه أنواع مختلفة وأكثرها معان حادثة فلذا قيل المراد بالتعبير عن المعنى النفسي بالألفاظ هو التعبير بالأثر فان الصفة الأزلية لما تعلقت بمتعلقاتها حصل منها معان مخصوصة عبر عنها بالألفاظ والحق أن المفهوم من عامة كلماتهم هو أن النفسي مدلول اللفظي وان كان لا يخلو عن اشكال ( قوله ونزعم انه غير العبارات ) الأولى أن يقول ونقول لان استعمال الزعم في الباطل غالبا ولذا قيل زعموا مطية الكذب ( قوله إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة الأقوام ) أما الأول فلان التعبير عن ارسال زيد مثلا قبل