وأما الهاضمة فهي التي تحيل ما جذبته الجاذبة وأمسكته الماسكة إلى قوام مهيئا لفعل القوة المغيرة فيه وإلى مزاج صالح للاستحالة إلى الغذائية بالفعل قال الإمام الرازي هذا الكلام نص في ان القوة الهاضمة غير القوة الغاذية ويؤيده انه جعل الغاذية مخدومة للقوى الأربع التي منها الهاضمة فلنتكلم في الفرق فنقول إذا جذبت جاذبة عضو شيئا من الدم وأمسكته ماسكته فللدم صورة نوعية وإذا صار شبيها بالعضو فقد بطلت عنه هذه الصورة وحدثت صورة أخرى عضوية فهناك كون للصورة العضوية وفساد للصورة الدموية وانما يحصلان إذا كان هناك من الطبخ ما لأجله ينتقص استعداد المادة للصورة الدموية ويشتد استعدادها للصورة العضوية إلى أن تزول عنها الأولى وتحدث فيها الأخرى فهاهنا حالتان إحداهما سابقة وهي تزايد استعداد قبول الصورة العضوية والأخرى لاحقه وهي حصول هذه الصورة فالحالة الأولى فعل القوة الهاضمة والثانية فعل القوة الغاذية وهذا معنى قوله ( وهي ) أي الهضم الّذي هو فعل الهاضمة ( استحالات ما ) واقعة ( بين تمام فعل الجاذبة وابتداء حصول فعل الغاذية التي هي كون ما ) أعني حصول الصورة العضوية ثم اعترض الامام عليه أولا بما أشار إليه المصنف بقوله ( ويمكن ان يقال المحرك إلى مشابه العضو هو القوة الموصلة إليه ) وتقريره على ما في المباحث المشرفية أن القوة الهاضمة محركة للغذاء في الكيف إلى الصورة المشابهة لصورة العضو وكل ما حرك شيئا إلى شيء آخر فهو الموصل إلى ذلك الآخر فيكون الفاعل للفعلين قوة واحدة أما الصغرى فظاهرة إذ لا معنى للهضم الا التحريك عن الصورة الغذائية إلى الصورة العضوية وأما الكبرى فظاهرة أيضا لان ما حرك شيئا إلى شيء كان المتوجه إليه غاية للمحرك والمعنى بكونه غاية ان المقصود الأصلي هو فعل ذلك الشيء وقد اعترف ابن سينا بذلك حيث احتج على أن بين كل حركتين سكونا فقال محال أن يكون الواصل إلى حد ما وأصلا إليه بلا علة موجودة موصلة ومحال أن تكون هذه العلة غير التي أزالت عن المستقر الأول هذا كلامه وهو يقتضي انه لما كان المزيل عن الصورة الدموية هو الهاضمة وجب أن يكون الموصل إلى العضوية أيضا الهاضمة فهي الغاذية لا غير واعترض ثانيا بما ذكره المصنف بقوله ( كيف والمراد بالقوة هنا المعدة ) للمادة لفيضان الصورة عليها
شرح
( قوله واعترض ثانيا ) أي اعترض الامام ثانيا وقوله وقال ابن سينا عطف على قوله لم يذكر أي ولذلك قال ابن سينا وقوله والأظهر وانما قال والأظهر ولم يقل والظاهر أو والصواب لأن عد الأربعة من الغاذية يتضمن عد الهاضمة