لكن ( لا نسلم أنها لا تتم الا بالنظر ) كما ادعيتم ( بل قد يحصل ) المعرفة ( بالالهام ) والتوجه التام كما قال به حكماء الهند فإنهم إذا أرادوا حصول شيء من المعرفة وغيرها صرفوا هممهم إليه وسلطوا أذهانهم عليه وانقطعوا عما يعوقهم عنه بالكلية حتى يحصل لهم مطلوبهم ( أو التعليم ) كما تقول به الملاحدة ( أو التصفية ) كما تقول به الصوفية فإنهم قالوا رياضة النفس بالمجاهدات وتجريدها عن الكدورات البشرية والعوائق الجسدية والتوجه إلى الحضرة الصمدية والتزام الخلوة والمواظبة على الذكر والطاعة تفيد العقائد الحقة التي لا تحوم حولها شائبة ريبة وأما أصحاب النظر فيعرض لهم في عقائدهم الشكوك والشبهات الناشئة من أدلة الخصم ( قلنا كل ذلك يحتاج إلى معونة النظر ) فان القائل بالتعليم لا ينكر النظر بل يقول هو وحده لا يفيد المعرفة بل يحتاج في إفادتها إلى قول الإمام ويشبه النظر بالبصيرة بالنظر بالبصر وقول الإمام بضوء الشمس فكما أنه لا يتم الابصار الا بهما كذلك لا تحصل المعرفة
شرح
[ قوله والتوجه التام ] أشار بالعطف إلى أن المراد بالالهام الالهام الذي يحصل بعد التوجه التام كما يقوله البراهمة لا مطلق الالهام إذ المقصود بيان الطرق المحققة التي يدعى صاحبها حصول المعرفة بها والالهام المطلق ليس كذلك لا الطرق المحتملة فإنها كثيرة كالحدس وخلفها ضرورة [ قوله صرفوا الخ ] فالتوجه المذكور عبارة عن صرف الهمة إلى ما يقصد حصوله بحيث يشغله عن كل ما سواه سواء حصل ذلك التوجه بالرياضة أو بدونها فهو غير التصفية [ قوله قلنا الخ ] يعنى أن المستثنى منه المقدر في قولنا وهي لا تتم الا بالنظر بسبب مستقل بقرينة أن النظر سبب مستقل فلا يرد النقض بما ذكرتم لاحتياجها إلى النظر فما قيل أن بينه وبين ما مر في الاشكال المذكور من قوله وبلا معلم تدافعا وهم محض
هامش
( قوله أو التصفية الخ ) سياق كلامه يدل على أن المراد بالتصفية هو التصفية المصطلح عليها وهي التي تكون على قانون الاسلام بالمواظبة على الذكر والطاعة وبهذا يظهر الفرق بينه وبين التوجه التام الذي ينسب إلى حكماء الهند على أن توجههم نحو مطلوبهم كيف كان وتوجه أرباب التصفية إلى جناب ذي الجلال كما دل عليه تقريره واعلم أن الصوفية يجتمعون على أن التصفية لا تفيد الا بعد طمأنينة النفس في المعرفة سواء حصلت من يقين أو تقليد وهذا معنى قولهم لا مطمع في الوصول الا بعد احكام الظاهر فعلى هذا يظهر اندفاع تجويز حصول المعرفة بالتصفية للدور الظاهر إذ المعرفة المدعي وجوبها بالاجماع ليس بمعنى اليقين لجواز التقليد عند البعض فتدبر ( قوله إلى معونة النظر فان القائل بالتعليم الخ ) قد أشرنا في الاشكال الأول إلى ما في هذا الجواب وما ذكره هناك من التدافع