ومنعه للّه ، وفي الحديث الصحيح « من أحب للّه وأبغض للّه وأعطى للّه ومنع للّه فقد استكمل الإيمان » .
فهذا الإخلاص للّه في السر والعلانية وتجريد القصد له من كل شائبة هو نصف الدين وجزؤه الباطن ، وأما نصفه الثاني فهو التحكيم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والرضا بحكمه وحسن متابعته وموافقته في كل ما شرعه بلا زيادة ولا نقص ، وكلا هذين الشطرين هو الإحسان الذي لن يتقبل اللّه عملا بدونه .
وأما الهجرة الثانية فهي الهجرة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي بعثه اللّه بالإسلام والإيمان والإحسان التي هي مراتب الدين كله ، وهي التي وقع السؤال عنها في حديث جبريل عليه السلام ، وليست هذه هجرة بالأبدان ، فقد مضى أوان هذه الهجرة ولكنها هجرة بالإيمان ، وهي السير إليه بالقلوب والأرواح ليأخذ عنه أصول الدين وفروعه جميعا ، فإن الحكم في كل منهما ليس إلا له وحده وليس لغيره أن يحكم في شيء من الدين لا أصلا ولا فرعا فالحكم هو ما ورد به النصان من السنة والقرآن .
يا هجرة طالت مسافتها على * من خص بالحرمان والخذلان
يا هجرة طالت مسافتها على * كسلان منخوب الفؤاد جبان
يا هجرة والعبد فوق فراشه * سبق السعاة لمنزل الرضوان
ساروا أحث السير وهو فسيره * سير الدلال وليس بالذملان
هذا وتنظره أمام الركب كالع * لم العظيم يشاف في القيعان
رفعت له أعلام هاتيك النصو * ص رءوسها شابت من النيران
نار هي النور المبين ولم يكن * ليراه إلا من له عينان
مكحولتان بمرود الوحيين لا * بمراود الآراء والهذيان
فلذاك شمر نحوها لم يلتفت * لا عن شمائله ولا أيمان
يا قوم لو هاجرتم لرأيتم * أعلام طيبة رؤية بعيان