تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
حتى بدت في سيره نار على * طور المدينة مطلع الايمان فأتى ليقبسها فلم يمكنه مع * تلك القيود منالها بأمان
الشرح : ينادي المؤلف كل من يتجرد لطلب الحق ويسعى في نيله وتحصيله ويؤثر علم اليقين على القول بالظن والتخمين ، ويريد لنفسه ايمانا صحيحا بعيدا عن شوائب الزيغ والكفران ، فيقول له اسمع لنصيحتي ، فإنها نصيحة مجرب خبر كل ما عند الناس من المذاهب والمقالات وطوف مذ شب عن الطوق على الفرق المختلفة يطلب الطريق إلى اللّه عز وجل . ولكن الانسان مهما شد منه العزم فلا بد ان تتخلل عزمه فترات كما في الحديث « ان لكل شيء شرة ولكل شرة فترة » فهذا أمر لازم لنقص الطبيعة الانسانية وضعفها ، والناس كلهم أبناء نقصان ، قال تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ، وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
[ النور : 21 ] . والمؤلف يخبر عن نفسه رحمه اللّه أنه قد طاف على جميع أرباب المذاهب والمقالات يبتغي لنفسه نورا يهدى قلبه ويبصره طريق النجاة ، ولكنه ما وجد عندهم الا ظلمات فوق ظلمات ، فكأنه ما طاف يبغي نورا ، بل طاف يبغي ظلمة الليل البهيم ، وكلما أوغل في الطلب كلما ازدادت أمامه الظلمات التي قهرت بجيوشها العاتية نور الصبح ، وما زال هكذا يهيم في وادي الظلمات حتى ظهر له في مسيره نار من جهة المدينة المنورة ، كما تراءت لموسى عليه السلام النار في طور سيناء فيمم نحوها ليقبس منها نورا وهدى يبدد أمامه غياهب الظلمات . فلم يمكنه أن ينالها وهو مقيد بقيود التقليد وأسر العادات . وهذا الذي يتحدث عنه المؤلف قد حصل لكل من مر بمثل تجربته ممن أوغل في دراسة الكلام وعب مما في وردها الآسن من خرافات وأوهام ، حتى انبلج له صبح الاسلام .