تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
ليست كلام اللّه بل فيض من * الفعال أو خلق من الأكوان فالأرض ما فيها له قول ولا * فوق السما للخلق من ديان بشر أتى بالوحي وهو كلامه * في ذاك نحن وأنتم مثلان
الشرح : فلنتحالف بيننا أن نكون عليهم حزبا واحدا ، وأن يكون كل منا سلما لصاحبه ، فإذا فرغنا من قتالهم والقضاء عليهم ، فإن ما بيننا من الخلاف هين بسيط ، بل نحن في حقيقة الأمر أخوان متفقان في أكثر المبادي والأحكام ، فالعرش عند جماعتنا وجماعتكم ( وهو الجسم المحيط بكرة العالم ) ليس فوقه شيء اللهم إلا العدم المحض الذي ليس شيئا موجودا ، لا في الأعيان ولا في الأذهان . بل ليس وراءه إلا العدم المحقق ، فاللّه عندنا وعندكم ليس فوق العرش بذاته عكس ما يقوله الديصانية ( الذين يقولون بأصلين نور وظلمة ، وأن النور لم يزل يلقى الظلمة بأسفل صفحة منه ، وأن الظلمة لم تزل تلقاه بأعلى صفحة منها ) وهذا هو عندنا وعندكم حقيقة التوحيد والمعرفة أن اللّه وجود مجرد بسيط لا تكثر فيه ، ولا يقال فوق ولا تحت ولا داخل ولا خارج ولا يوصف بقرب ولا بعد ولا اتصال ولا انفصال ، ولا يشار إليه ولا يصعد إليه شيء ، ولا ينزل من عنده شيء وكذلك جماعتنا تقول في التوراة والإنجيل والقرآن أنها ليست كلام اللّه على الحقيقة ، بل هي عندنا فيض من العقل الفعال الذي هو عقل القمر ، وهو آخر العقول العشرة وأقربها إلى عالم العناصر ، وهو المتصرف فيها بالكون والفساد ، وهو الذي يفيض العلوم على البشر بحسب الاستعداد والتوجه كما يفيض الصور النوعية على المركبات ، وهي عندكم كذلك من جملة المخلوقات ، لأنها حروف وأصوات وألفاظ مكتوبات ، فالاتفاق بيننا وبينكم قائم على نفي أن يكون للّه كلام في الأرض ، أو أن يكون بذاته على العرش ، بل الذي نقرؤه بألسنتنا إنما هو كلام بشر أتى بالوحي وليس كلام اللّه ، ونحن وأنتم في هذا مثلان « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر كيف يعقد المؤلف هذا الشبه القوي بين الأشعرية المتأخرة وبين الفلاسفة رغم ما كانا يتظاهران به من عداء .