الكتاب والسنة ، فيتعوض عنه بجهله وظلمه ، ويريده بالكذب والافتراء عوجا ليسلم له زيفه ويروج باطله ، والناس كلهم إلا من عصم اللّه ليسوا أهل بصر بالنقود ، فلا يقدرون على تمييز الجيد من الرديء ، ولا لهم خبرة بوزن الأقوال وتمحيص الآراء ، اللهم إلا أفراد قلائل يوجدون في الأزمان المتطاولة . ولذلك تجد الزيف هو النقد المتداول بينهم والرائج في الأسفار والبلدان ، لأنهم قد تعارفوا عليه وارتضوه جهرة بلا كتمان .
فإذا أتاهم غيره ولو أنه * ذهب مصفى خالص العقيان
ردوه واعتذروا بأن نقودهم * من غيره بمراسم السلطان
فإذا تعاملنا بنقد غيره * قطعت جوامكنا من الديوان
واللّه منهم قد سمعنا ذا ولم * نكذب عليهم ويح ذي البهتان
يا من يريد تجارة تنجيه من * غضب الإله وموقد النيران
« 1 »
وتفيده الأرباح بالجنات * والحور الحسان ورؤية الرحمن
في جنة طابت ودام نعيمها * ما للفناء عليه من سلطان
هيئ لها ثمنا يباع بمثلها * لا تشترى بالزيف من أثمان
نقدا عليه سكة نبوية * ضرب المدينة أشرف البلدان
الشرح : فإذا جاءهم أحد بنقد آخر غير هذا الذي تعارفوا عليه ردوه على الناقد ، ولو كان من نضار الذهب وخالصه معتذرين بأن نقدهم عليه سكة السلطان فإذا هم تعاملوا بنقد غيره قطعت رواتبهم من ديوان الحكومة ، وكأن المؤلف رحمه اللّه يشير بهذا إلى حال كثير من العلماء الرسميين الذين توظفهم الحكومة في بعض الوظائف ، مثل القضاء والافتاء والحسبة وغيرها ، فيتوخون في أعمالهم موافقة الحكام في مذاهبهم ولا يجرءون على مخالفتها خوفا من العزل وهذا المعنى كان موجودا منذ قريب عندنا في مصر في عهد الحكم التركي ، حين كان
هامش
( 1 ) وموقد بفتح القاف مضاف إلى النيران إضافة صفة إلى موصوف ، والتقدير والنيران الموقدة .