بها على كون ذلك الكاتب عالما ، ولا تشك البتة في ذلك ، ثم كما تشهد هذه الكلمة المكتوبة شهادة قاطعة على كون الكاتب حيا عالما قادرا ، فكذلك ما من موجود في السماوات والأرض كبير ولا صغير ، من ملك ، وكوكب ، وشمس وقمر ، وحيوان ، ونبات ، إلا وهو شاهد بكونه محتاجا إلى مدبر يدبره ، ومقدر بقدره ومخصص يخصصه بصفاته المعينة ، وأحيازه المعينة ، فلما كانت كتابة الكلمة الواحدة دالة على ذات الكاتب وصفاته ؛ فهذه الدلائل التي لا نهاية لها أولى بالدلالة .
أما الباطن فهو في حقه تعالى يحتمل وجوها .
الأول : أن كمال كونه ظاهرا صار سببا لكونه باطنا ؛ لأن الشمس لو وقفت فوق الفلك لما كنا نعرف أن هذا الضوء حصل بسببها ، بل ربما كنا نظن أن الأشياء مضيئة لذواتها ، لكنها لما غربت فزالت الأنوار عند غروبها عرفنا أن الأنوار فاضت عن الشمس ، فهاهنا لو أمكن انقطاع تأثير وجود اللّه تعالى عن هذه الممكنات لظهر حينئذ أن وجود هذه الممكنات من وجود اللّه تعالى . لكن انقطاع ذلك الجود محال . فصار كماله ودوامه سببا لوقوع الشبهة . وهو المراد من قول بعض المحققين : سبحان من اختفى عن العقول بشدة ظهوره . واحتجب عنها بكمال نوره .
الثاني : أنه تعالى باطن من حيث إن كنه حقيقته غير معلوم للخلق .
الثالث : باطن بمعنى أن الأبصار لا تحيط به كما قال :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
« 1 »
الرابع : أنه ظاهر بمعنى أنه يعلم ما ظهر ؛ وباطن بمعنى أنه يعلم ما بطن .
الخامس : أنه باطن بمعنى أنه حجب الكافر عن معرفته ورؤيته . وحجب المؤمنين في الدنيا عن رؤيته . وذلك يعود إلى صفات الفعل .
هامش
( 1 ) جزء من الآية 103 من سورة الأنعام .