سائر الأنبياء ، وبعدهم الأولياء ، ودرجاتهم متأخرة على الإطلاق عن درجات الأنبياء ، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام لأبى بكر وعمر : « هذان سيدا كهول أهل الجنة ما خلا النبيين والمرسلين » الحديث . فهذا يقتضي تفضيلهما على سائر الأولياء ، وقوله « ما خلا النبيين » يقتضي أن لا يكون أحد أفضل من الأنبياء وإذا كان كذلك لزم القطع بأن كل الأنبياء أفضل من كل الأولياء .
فأما بيان درجات الأولياء فصعب ، وأظهر الآيات في بيان ذلك قوله :
« فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ »
« 1 » فيشبه أن يكون ترتيب الأولياء في درجات الفضيلة بحسب ما في هذه الآية من الترتيب .
واعلم أن حصول التفاوت في هذه الدرجات ليس إلا من اللّه ، وبيانه من وجوه .
الأول : قوله
« إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ »
« 2 »
الثاني : أن الشخصين اللذين أقدم أحدهما على الطاعات ، والآخر على المحظورات ، ما لم يحصل في قلب أحدهما إرادة فعل الطاعة ، وفي قلب الآخر إرادة فعل المعصية ، لم يصر أحدهما مقبلا على الطاعة ، معرضا عن المعصية ، والآخر بالعكس ثم حصول تلك الإرادة إن كان لأجل المزاج المخصوص فخالق ذلك المزاج هو الّذي حمل صاحبه على ذلك الفعل ، وإن كان لا لأجل المزاج ، بل لأجل أن الخالق خلق تلك الإرادة ابتداء في قلبه ، فخالق الإرادة هو الّذي حمله على ذلك الفعل .
الثالث : أنه تعالى وصف ضلال بعضهم ، فقال :
« وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ »
« 3 » بين أنهم كالمجبورين على الضلال ، ووصف هداية البعض ، فقال .
« كَأَنَّها
هامش
( 1 ) جزء من الآية 69 من سورة النساء .
( 2 ) جزء من الآية 56 من سورة القصص .
( 3 ) جزء من الآية 28 من سورة الأنعام .