القول في تفسير اسميه ( المقدم - المؤخر )
اعلم أن التقدم والتأخر قد يكون ذاتيا ، وقد يكون وضعيا ، أما الذاتي فقسمان : تقدم العلة على المعلول ، كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم ، وتقدم الشرط على المشروط كتقدم الحياة على العلم ، والواحد على الاثنين ، أما الوضعي فهو أقسام ثلاثة :
أحدها : التقدم الزماني ، كتقدم أفعال اللّه بعضها بعضا ، وذلك إنما يحصل بترجيح إرادته ، فلو أنها خصصت وجود البعض بالزمان المتقدم ، ووجود البعض بالزمان المتأخر ، وإلا لم يكن المتقدم بكونه متقدما أولى من أن يكون متأخرا .
وثانيها : التقدم المكاني : مثل كون السماء فوق والأرض تحت ، وهذا أيضا مما يحصل بإرادة اللّه تعالى ، لما ثبت أن الأجسام متماثلة فيصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر ، وكما يعقل كون السماء فوق والأرض تحت ، يعقل أن ينعكس الأمر .
وثالثها : التقدم بالشرف . مثل أنه سبحانه وتعالى جعل البعض مشرفا بإعطاء العلم ، والطاعة ، والتوفيق ، وجعل البعض مخذولا مؤخرا عن هذه الدرجات ، ورفع محمدا عليه الصلاة والسلام إلى أعلى الدرجات ، فقال .
« وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ »
« 1 » وجعل أبا جهل ، وأبا لهب في أسفل الدركات ، فهذان طرفان ظاهران وبينهما أوساط متباينة .
فأشرف الأشياء محمد صلى اللّه عليه وسلم وبعده درجات أولى العزم ، وبعدهم
هامش
( 1 ) الآية 4 من سورة الانشراح .