الإنسان الّذي يقوى على أن يصرع الناس يسمى قويا شديدا ، والإنسان الّذي لا ينصرع من أحد يسمى أيضا قويا ، وبهذا التفسير يسمى الحجر والحديد :
قويا شديدا .
إذا عرفت هذا فنقول : إن حملنا القوة في حق اللّه تعالى على كونه كافلا في التأثير في الممكنات كان معنى القوة هو القدرة ، لأنه تعالى إنما يوجد الممكنات بقدرته ، وإن حملنا القوة في حق اللّه تعالى على كونه غير قابل للأثر من غيره كان معنى قوته ومتانته هو كونه واجب الوجود لذاته ، وذلك لأنه كلما كان واجب الوجود لذاته كان واجب الوجود من جميع جهاته ، وكل ما كان كذلك لم يقبل الأثر من غيره البتة ، لا بتحصيل شيء فيه كان معدوما ، ولا بإعدام شيء كان موجودا .
فإن قيل : مقدمه قوله
« إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ »
يشعر بأن المراد من قوله ذو القوة المتين هو القدرة .
قلنا : كما أن هذه المقدمة تناسب كمال القدرة من حيث إن بالقدرة يمكنه إيصال الرزق إلى المحتاجين ، فكذلك يناسب كونه واجب الوجود لذاته ، منزها عن قبول التغيرات ، فإنه ما لم يكن واجب الوجود والبقاء في ذاته وصفات كماله ، لا يمكنه إيصال الرزق إلى المحتاجين ، فعلمنا أن لفظ القوة محتمل لكل واحد من هذين الوجهين .
أما المتين فهو الشديد ، واشتقاقه من المتانة وهي الصلابة لغة مأخوذ من المتن الّذي هو الظهر ، لأن استمساك أكثر الحيوان يكون بالظهر ، فلهذا السبب سميت القوة باسم الظهر ، وباسم المتين . قال تعالى :
« وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً »
« 1 » ويقال كلام متين إذا كان قويا .
هامش
( 1 ) جزء من الآية 88 من سورة الإسراء .