واجب العدم كان اعتقاد وجوده ، والإقرار بوجوده مستحق العدم ، فلا جرم يسمى هذا الاعتقاد وهذا الإقرار باطلا .
إذا عرفت هذا فنقول : الشيء إما أن يكون واجبا لذاته ، أو ممتنعا لذاته ، أو ممكنا لذاته ، أما الواجب لذاته فإنه حق محض لذاته ، وأما الممتنع لذاته فهو باطل محض لذاته ، والممكن لذاته فمثل هذا لا يترجح وجوده على عدمه إلا بإيجاد موجد ، فلو لم يوجد ذلك الموجد لبقى على العدم ، فإذا كل ممكن فهو من حيث هو باطل وهالك ، فلهذا قال
« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ »
« 1 » ولهذا المعنى يقول العارفون : لا موجود في الحقيقة إلا اللّه .
وأيضا فكل ممكن فهو إنما يكون موجودا بتكوين واجب الوجود ، فواجب الوجود هو الّذي يجعل كل ما سواه حقا ، وهذا هو المراد من قوله :
« وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ »
فهو سبحانه حق لذاته ، ويحق الحق بكلماته ، فما أحسن مطابقة هذه الدلائل البرهانية على هذه الرموز القرآنية .
ولما ثبت أنه سبحانه حق لذاته ، كان اعتقاد وجوده ، واعتقاد كونه موصوفا بصفات التعالى والعظمة حق الاعتقادات ، لأن المعتقد لما كان ممتنع التغير امتنع تغير ذلك الاعتقاد من كونه حقا إلى كونه باطلا ، وكذا الإقرار به والإخبار عن وجوده ، فهو سبحانه أحق الحقائق بأن يكون حقا ، ومعرفته أحق المعارف بالحقيقة ، والإقرار به أحق الأقوال بالحقية ، ثم هاهنا سؤالات .
الأول : ما معنى قول الحسين بن منصور [ الحلاج ] : أنا الحق ؟
والجواب : أما القول بالاتحاد فظاهر البطلان ، لأنه إذا اتحد شيئان فإن بقيا فهما اثنان ، وإن فنيا كان الثالث شيئا آخر ، وإن بقي أحدهما وفنى الآخر امتنع
هامش
( 1 ) جزء من الآية 88 من سورة القصص .