واعلم أن الشهيد مبالغة من الشاهد ، كالعليم من العالم ، والقدرة من القادر والنصير من الناصر ، وفي تفسيره وجوه :
الأول : أنه العالم ، قال الغزالي : إنه تعالى عالم الغيب والشهادة ، والغيب عبارة عما بطن ، والشهادة عبارة عما ظهر ، فإذا اعتبر العلم مطلقا فهو العليم ، وإذا أضيف إلى الغيبة والأمور الباطنة فهو الخبير ، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة الحاضرة فهو الشهيد .
الثاني : الشاهد والشهيد ، هو الحاضر المشاهد ، قال تعالى :
« فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ »
« 1 » أي من حضره ، وهذا الحضور إن كان بالعلم فهو الوجه الأول ، وإن كان بالرؤية والإبصار كان ذلك وجها ثانيا قال عليه الصلاة والسلام :
« اعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » .
الثالث : الشهيد والشاهد هو الّذي يظهر بقوله للأمر المتنازع فيه بين الخصمين ويظهر به صدق المدّعى ، وثبوت حقه على خصمه ، فقوله « شهد اللّه ، مفسرا بهذا الوجه وكذا قوله « إلا كنا عليكم شهودا » .
الرابع : أنه شهيد بمعنى أنه بيّن توحيده وعدله ، وصفات جلاله بنصب الدلائل ، ووضع البينات ، وفسر بعضهم قوله
« شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
بنصب الدلائل على التوحيد .
الخامس : أنه شهيد بمعنى المشهود له ، وذلك أن العباد يشهدون له بالوحدانية ويقرون له بالعبودية ، فيكون فعيلا بمعنى مفعول ، ويتأكد هذا الوجه بقوله تعالى
« وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ »
« 2 » فاللّه طلب الشهادة من عباده على وحدانيته ،
هامش
( 1 ) جزء من الآية 185 من سورة البقرة .
( 2 ) جزء من الآية 172 من سورة الأعراف .