تعالى في خلق الأشياء ، هو إتقان التدبير فيها ، وحس التقدير لها ، إذ ليس ذلك في كل الخليقة ، ففيها ما لا يوصف بوثاقة البنية كالبقة والنملة وغيرها ، إلا أن آثار التدبير فيها - وجهات الدلالات فيها على قدرة الصانع وعلمه - ليس أقل من دلالة السماوات والأرض ، والجبال ، والبحار - على علم الصانع وقدرته ، وكذا هذا في قوله
« الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ »
« 1 » ليس المراد منه الحسن الرائق في المنظر .
فإن ذلك مفقود في القرد والخنزير ، وإنما المراد منه حسن التدبير في وضع كل شيء موضعه بحسب المصلحة ، وهو المراد بقوله
« وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً »
« 2 » .
والثاني : أن الحكمة عبارة عن معرفة أفضل المعلومات بأفضل العلوم ، فالحكيم بمعنى العليم ، قال الغزالي : وقد دللنا على أنه لا يعرف اللّه إلا اللّه ، فيلزم أن يكون الحكيم الحق هو اللّه ، لأنه يعلم أصل الأشياء ، وهو هو أصل العلوم وهو علمه الأزلي الدائم الّذي لا يتصور زواله ، المطابق للعلوم مطابقة لا يتطرق إليه خفاء ، ولا شبهة .
الثالث : الحكمة عبارة عن كونه مقدسا عن فعل ما لا ينبغي ، قال تعالى :
« أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً »
« 3 » وقال :
« وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا »
« 4 » .
قالت المعتزلة : إذا كان كل القبائح والمنكرات إيجاده وإرادته ، فأين الحكمة ؟
قلنا : الباطل هو التصرف في ملك الغير ، فمن تصرف في ملك نفسه فأي فعل فعله كان حكمة وصوابا .
هامش
( 1 ) جزء من الآية 7 من سورة السجدة .
( 2 ) جزء من الآية 2 من سورة الفرقان .
( 3 ) جزء من الآية 115 من سورة ( المؤمنون ) .
( 4 ) جزء من الآية 191 من سورة آل عمران .