والثاني : أن الصورة مأخوذة من صار يصير ، ومنه قولهم : إلى ما ذا صار أمرك ، ومادة الشيء هي الجزء الّذي باعتباره يكون الشيء ممكن الحصول ، وصورته هي الجزء الّذي باعتباره يكون الشيء حاصلا كائنا لا محالة ، فلا جرم كانت الصورة منتهى الأمر ومصيره .
إذا عرفت هذا فنقول : لا شك أن الأجسام متساوية في ذاتها ، ويرى كل جسم مختصا بصورة خاصة ، وشكل خاص ، والذوات المتماثلة إذا اختلفت في الصفات كانت تلك الصفات جائزة العدم والوجود ، والجائز لا بد له من مرجح .
ومخصص ، فافتقرت الأجسام بأسرها في صورها المخصوصة ، وأشكالها المخصوصة إلى مخصص قادر ، وهو اللّه سبحانه فثبت أنه سبحانه وتعالى هو المصور ، ثم إنه سبحانه خص صورة الإنسان بمزيد العناية ، كما قال :
« وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ »
« 1 » وقال :
« صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً »
« 2 » وقال بعد أن شرح خلق الإنسان :
« فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ »
« 3 » هذا هو الكلام في تفسير هذه الأسماء الثلاثة .
المسألة الرابعة : في كلام المشايخ في اسمه الخالق والبارئ والمصور : في هذه الأسماء قالوا : الخالق هو الّذي بدأ الخلق بلا مشير ، وأوجدها بلا وزير ، وقيل : الخالق الّذي ليس لذاته تأليف ، ولا عليه في قوله تكليف ، وقيل :
الخالق الّذي أظهر الموجودات بقدرته ، وقدر كل واحد منها بمقدار معين بإرادته ، وقيل : الخالق الّذي خلق الخلق بلا سبب وعلة ، وأنشأها من غير جلب نفع ولا دفع مضرة .
حكى عن جعفر بن سليمان أنه قال : مررت بعجوز مكفوفة تنوح على نفسها فقلت لها : ما معاشك ؟ فقالت : دع هذه الفضول ، بلغت هذا المبلغ فما أحوجني
هامش
( 1 ) جزء من الآية 64 من سورة غافر ، 3 التغابن .
( 2 ) جزء من الآية 138 من سورة البقرة .
( 3 ) جزء من الآية 14 من سورة ( المؤمنون ) .