فثبت أن الإعدام بالقدرة محال ، وأيضا فبتقدير أن يثبت جواز الإعدام بالقدرة ، إلا أنا نقول على هذا التقدير ، تكون القدرة قدرة على جعل الموجود معدوما ، فيكون المقدور هو ذلك العدم الحاصل بعد ذلك الوجود ، وإذا كان الملك عبارة عن القدرة والمقدور ليس إلا ذلك العدم ، وجب أن يقال ليس المملوك إلا ذلك العدم ، وعلى جميع التقديرات فيخرج منه أنه تعالى لا يكون مالكا لشيء من الموجودات ، وأن ليس في ملكه إلا المعدوم ، وهذا شنيع جدا .
السؤال الثاني : لو كان الملك عبارة عن القدرة لما كان شيء من الأعراض الموجودة ملكا للّه تعالى ؛ لأنه تعالى لو قدر عليها لقدر عليها إما بالإيجاد وهو محال : لأن إيجاد الموجود محال ، أو بالإعدام وهو أيضا محال ، لأنها واجبة العدم في الزمان الثاني ، وما كان واجبا بذاته يمتنع وقوعه بالفاعل ، فيمتنع أن يكون عدمها في الزمان الثاني مستندا إلى القادر ، فثبت أنه لا قدرة على الأعراض الموجودة لا بالإيجاد ولا بالإعدام ، فوجب أن لا يكون شيء من الأعراض الموجودة ملكا للّه تعالى .
واعلم : أن هذا الإشكال لفظي ، وذلك لأنه تعالى يملك الأشياء قبل وجودها بمعنى أنه قادر على إخراجها من العدم إلى الوجود ، ويملكها حال حدوثها ، وذلك لأن عندنا القدرة إنما تؤثر في إحداث الشيء حال حدوثه لا قبل تلك الحالة ثم ذلك الّذي حدث إن كان قابلا للبقاء فهو تعالى مالك لها ، بمعنى أنه قادر على إبقائها ، أما عند من يقول بأن الباقي باق بالبقاء ؛ « فإبقاؤها إنما يكون بخلق البقاء فيها ، وعند من يقول الإعدام بالقدرة جائز ، فإبقاؤها إنما يكون بأن لا يعدمها ، وأما إن كان ذلك الّذي حدث غير قابل للبقا . فهو تعالى مالك لها بمعنى أنه قادر على إعادتها بعد عدمها . فثبت من هذا أن كل ما سوى اللّه تعالى من الجائزات والممكنات فهو مملوك للّه تعالى سواء كان معدوما أو موجودا .
واعلم أن أهل اللغة يقولون : الملك عبارة عن الربط والشد يقال : ملكت
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات — صفحة 175
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧٥