أما الجواب عما تمسك به ثعلب فهو أن العرب إنما أنكروا الرحمن لا لأجل ما ذهب إليه ثعلب لكن لأجل أنهم كلما سمعوا قوله تعالى
« قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ »
« 1 » توهموا أن اللّه غير الرحمن ، فأنكروا الرحمن بهذا الخيال ، لا لأجل أنهم ما عرفوا هذه اللفظة في لغتهم .
والجواب عن الثاني : إنما لم يحسن أن يقال إنه رحمن بعباده ، لأن هذا يوهم أن كونه رحمانا مختص بعباده وليس الأمر كذلك ، فإن كونه تعالى رحمانا يقتضي عموم رحمته في الدنيا والآخرة وفي حق البر والفاجر ، وأما الرحيم فهو المختص بالمؤمنين ، قال تعالى :
« وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً »
« 2 » .
والجواب عن الثالث : أن ذكر الرحيم بعد الرحمن إنما كان لتخصيص المؤمنين بزيادة بعد عموم البر والفاجر ، فاللّه تعالى رحمن يرحم البر والفاجر في الرزق ، وفي دفع الأسقام ، والمصائب ، والدواهي ، وهو رحيم يرحم المؤمنين خاصة بالهداية ، والمغفرة ، وإدخال الجنة .
والجواب عن الرابع : أن ورود ما يشبه هذه اللفظة في العبرانية لا يقدح في كونها عربية لا سيما وبين العربية والعبرانية مشابهات كثيرة في الألفاظ .
المسألة الثانية : اختلف العلماء في معنى الرحمن : فقال بعض المحققين : الرحمة من صفات الذات ، وهي إرادة إيصال الثواب والخير ، ودفع الشر ، وعلى هذا التقدير كان الباري في الأزل رحمانا رحيما لأن إرادته أزلية ، ومعنى ذلك أنه تعالى أراد في الأزل أن ينعم على عبيده المؤمنين فيما لا يزال ، وقال آخرون الرحمة من صفات الفعل ، وهي إيصال الخير ، ودفع الشر .
هامش
( 1 ) جزء من الآية 110 من سورة الإسراء .
( 2 ) جزء من الآية 43 من سورة الأحزاب .