رَحْمَةِ رَبِّكَ »
« 1 » وقسمة الإرادة ممتنعة ، أما قسمة النعمة فممكنة ، وقال :
« وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها »
« 2 » وهذا لا يليق بالإرادة . إنما يليق بالنعمة .
وأجاب الأولون عن الأول : أنه إنما سمى الجنة والمطر رحمة على سبيل الاتساع والمجاز على معنى أن النعمة لما كانت صادرة عن الرحمة أطلق اسم السبب على المسبب ، كما يقال : هذا قدرة اللّه تعالى ، وهذا علم فلان ، تسمية للمقدور بالقدرة ، والمعلوم بالعلم .
وأجابوا عن الثاني : بأن إطلاق لفظ الرحمة على النعم والخيرات إنما كان على سبيل المجاز ، ووجهه ما قررناه .
إذا عرفت هذا فنقول : المشهور أن الرحمة عبارة عن إرادة إيصال الخير إلى من هو أدون منه ، وفيه نظر ؛ لأن على هذا التقدير لا يبقى فرق بين الرحمة والنعمة ، وليس الأمر كذلك ، بل الرحمة كأنها مخصوصة بدفع البلاء ، فإذا أنعم عليه نعمة أوجبت تلك النعمة دفع البلاء عنه سميت تلك النعمة رحمة ، من حيث إنها أوجبت زوال البلاء .
المسألة الثالثة : اتفق أصحابنا على أنه ليس للّه تعالى في حق الكافر نعمة في الدين واختلفوا في أنه هل للّه تعالى في حق الكافر نعمة دنيوية أيضا أم لا ؟
فقال قوم من أصحابنا لأنه ليس للّه تعالى في حق الكافر نعمة دنيوية أيضا ، وأن كل ما فعل بهم من الصحة ، والسلامة ، واللذات ، والمنافع ، إنما هي استدراج ، وذلك بمنزلة الطعام المسموم الّذي ينتفع به آكله في الحال ، ثم يعقبه
هامش
( 1 ) جزء من الآية 42 من سورة الزخرف .
( 2 ) جزء من الآية 28 من سورة الإسراء .